فصل: 379- باب (ما جاء) في صَلاةِ العِيدَيْنِ قَبلَ الخطْبة

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي للمباركفوري ***


366- باب ما جاءَ في كراهيةِ الاحتباءِ والإمامُ يخطب

‏(‏باب ما جاء في كراهية الاحتباء والإمام يخطب‏)‏ قال الجزري في النهاية‏:‏ الاحتباء هو أن يضم الإنسان رجليه إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشده عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب يقال احتبى يحتبي احتباء والاسم الحبوة بالضم والكسر والجمع حباً وحباً‏.‏

511- حدثنا محمدُ بن حُمَيْدٍ الرّازِيّ و العباسُ بنُ محمدٍ الدّورِيّ قالا‏:‏ حدثنا أبو عبد الرحمَن المقرئ عن سعيدِ بن أبي أيّوب حدّثني أبو مَرْحُومٍ عن سهلِ بن مُعَاذٍ عن أبيهِ ‏"‏أن النبيّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن الَحبوةِ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطُبُ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ ‏(‏و‏)‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏ وأَبو مَرْحُومٍ اسمُهُ عبدُ الرحيمِ بنُ مَيْمُونٍ‏.‏

وقد كَرِهَ قومٌ مِن أهل العلم الحَبوةَ يومَ الجمعةِ والإمامُ يخطُبُ‏.‏

ورخّصَ في ذلك بعضُهمُ، منهم عبدُ الله بنُ عُمَرَ وغيرهُ‏.‏ وبه يقولُ أحمدُ وإسحاقُ‏:‏ لا يَرَيَانِ بالحَبْوَة والإمامُ يخطُبُ بأساً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعباس بن محمد الدوري‏)‏، الخوارزمي نزيل بغداد أحد الحفاظ الأعلام روى عن أبي عبد الرحمَن المقري وأبي داود الطيالسي وغيرهما، وروى عنه أصحاب السنن الأربعة، ولزم ابن معين وأخذ عنه الجرح والتعديل، وثقه النسائي وغيره مات سنة 271 إحدى وسبعين ومائتين، ‏(‏قالا أخبرنا أبو عبد الرحمَن المقري‏)‏ اسمه عبد الله بن يزيد المكي أصله من البصرة والأهواز ثقة فاضل أقرأ القرآن نيفاً وسبعين سنة من التاسعة وهو من كبار شيوخ البخاري، ‏(‏عن سعيد بن أبي أيوب‏)‏ الخزاعي مولاهم المصري ثقة ثبت واسم أبي أيوب مقلاص، ‏(‏قال حدثني أبو مرحوم‏)‏ اسمه عبد الرحيم بن ميمون المدني نزيل مصر، قال الحافظ صدوق زاهد من السادسة ‏(‏عن سهل بن معاذ‏)‏ بن أنس الجهني‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏نهى عن الحبوة‏)‏ قال في القاموس احتبى بالثوب اشتمل أو جمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها والاسم الحبوة وبضم انتهى ‏(‏يوم الجمعة والإمام يخطب‏)‏، قال الخطابي‏:‏ إنما نهى عن الاحتباء في ذلك الوقت لأنه يجلب النوم ويعرض طهارته للانتقاض، وقد ورد النهي عن الاحتباء مطلقاً غير مقيد بحال الخطبة ولا بيوم الجمعة لأنه مظنة لانكشاف عورة من كان عليه ثوب واحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ وأخرجه أحمد وأبو داود‏.‏

قال الشوكاني في النيل‏:‏ في سنده سهل بن معاذ وقد ضعفه يحيى بن معين وتكلم فيه غير واحد وفي سنده أيضاً أبو مرحوم ضعفه ابن معين‏.‏ وقال أبو حاتم الرازي‏:‏ لا يحتج به، قال وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند ابن ماجه قال‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاحتباء يوم الجمعة، يعني والإمام يخطب، وفي إسناده بقية بن الوليد وهو مدلس وقد رواه بالعنعنة عن شيخه عبد الله بن واقد، قال العراقي لعله من شيوخه المجهولين، عن جابر عند ابن عدي في الكامل وفي إسناده عبد الله بن ميمون القداح وهو ذاهب الحديث كما قال البخاري‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد كره قوم من أهل الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب‏)‏‏.‏ قال أبو داود في سننه‏:‏ لم يبلغني أن أحداً كرهها إلا عبادة بن نسى انتهى‏.‏ قال العراقي‏:‏ وورد عن مكحول وعطاء والحسن أنهم كانوا يكرهون أن يحتبوا والإمام يخطب يوم الجمعة‏.‏ رواه ابن أبي شيبة في المصنف، قال ولكنه قد اختلف عن الثلاثة فنقل عنهم القول بالكراهة، ونقل عنهم عدمها، واستدلوا بأحاديث الباب‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ وهي تقوي بعضها بعضاً‏.‏ ‏(‏ورخص في ذلك بعضهم الخ‏)‏ قال أبو داود في سننه‏:‏ وكان ابن عمر يحتبي والإمام يخطب وأنس بن مالك وشريح وصعصعة بن صوحان وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ومكحول وإسماعيل بن محمد بن سعد ونعيم بن سلامة قال لا بأس بها انتهى‏.‏

وذهب أكثر أهل العلم كما قال العراقي إلى عدم الكراهة واستدلوا بما رواه أبو داود عن يعلى بن شداد بن أوس رضي الله عنه قال‏:‏ شهدت مع معاوية فتح بيت المقدس فجمع بنا، فإذا جل من في المسجد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فرأيتهم محتبين والإمام يخطب، وسكت عنه أبو داود والمنذري‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ وفي إسناده سليمان بن عبد الله بن الزبرقان وفيه لين، وقد وثقه ابن حبان، وأجابوا عن أحاديث الباب بأنها كلها ضعيفة، وإن كان الترمذي قد حسن حديث معاذ بن أنس وسكت عنه أبو داود‏.‏

قلت‏:‏ أحاديث الباب وإن كانت ضعيفة لكن يقوي بعضها بعضاً، ولا شك في أن الحبوة جالبة للنوم، فالأولى أن يحترز عنها يوم الجمعة في حال الخطبة هذا ما عندي والله تعالى أعلم‏.‏

367- باب ما جاءَ في كراهِيَةِ رَفعِ الأيدِي على المنْبر

512- حدثنا أحمدُ بن مَنيعٍ، حدثنا هُشَيمٌ، أَخبرنا حُصَيْنٌ قال‏:‏ سَمِعتُ عُمَارَةَ بنَ رُوَيْبَةَ ‏(‏الثّقَفِيّ‏)‏ و بِشرُ بن مَرَوَانَ يخطُب، فرَفع يديه في الدعاءِ فقال عُمَارةُ‏:‏ قَبّحَ الله هَاتَيْنِ اليُدَيّتَيْنِ القُصَيّرَتَيْنِ ‏"‏لقد رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وما يزيدُ على أن يقولَ هكذا، وأشار هُشَيْمٌ بالسّبّابَةِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا هشيم‏)‏‏.‏ بالتصغير ابن بشير بوزن عظيم الواسطي ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال، ‏(‏أخبرنا حصين‏)‏ هو ابن عبد الرحمَن السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة تغير حفظه في الاَخر، ‏(‏قال سمعت عمارة‏)‏ بضم العين ‏(‏ابن رويبة‏)‏ براء موحدة مصغراً الثقفي يكنى بأبي زهير صحابي نزل الكوفة ‏(‏وبشر بن مروان يخطب‏)‏ جملة حالية وفي رواية مسلم أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه ‏(‏فرفع يديه في الدعاء‏)‏ ليس في رواية مسلم لفظ في الدعاء ‏(‏فقال عمارة قبح الله هاتين اليديتين‏)‏ بضم التحتية وفتح الدال المهملة وتشديد التحتية المفتوحة تصغير اليدين ‏(‏القصيرتين‏)‏ تصغير القصيرتين والظاهر أنه دعاء عليه وقيل إخبار عن قبح صنعه ‏(‏وما يزيد على أن يقول‏)‏‏:‏ أي يشير، والحديث يدل على كراهة رفع الأيدي على المنبر حال الدعاء‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم والنسائي‏.‏

368- باب ما جاءَ في أذانِ الجمعة

513- حدثنا أحمدُ بن منيعٍ، حدثنا حمادُ بن خالدٍ الخَيّاطُ عن ابنِ أبي ذِئْبٍ عن الزّهْريّ عن السّائِبِ بن يزيدَ قال‏:‏ ‏"‏كانَ الأذَانُ على عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعُمَرَ إذا خَرَجَ الإمامُ ‏(‏وإذا‏)‏ أقِيمَتِ الصلاةُ، فلما كانَ عثمانُ ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ زادَ النّداءَ الثالثَ على الزَوْرَاءِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن السائب بن يزيد‏)‏ بن سعيد بن ثمامة الكندي وقيل غير ذلك في نسبه ويعرف بإبن أخت النمر صحابي صغير له أحاديث قليلة وحجة الوداع وهو ابن سنين وولاه عمر سوف المدينة سنة 91 إحدى وتسعين وقيل قبل ذلك وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر إذا خرج الإمام‏)‏‏.‏ أي للخطبة وجلس على المنبر ‏(‏أقيمت الصلاة‏)‏، كذا في النسخ المطبوعة في الهند‏.‏ وقد ذكر أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي هذا الحديث بلفظ وإذا أقيمت الصلاة وهو الصحيح، وكذلك وقع في رواية أبي عامر عن ابن أبي ذئب عند ابن خزيمة‏:‏ إذا خرج الإمام وإذا أقيمت الصلاة، وكذا للبيهقي من طريق ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب كذا في الفتح، والمعنى كان الأذان في العهد النبوي وعهد أبي بكر وعمر أذانين أحدهما حين خروج الإمام وجلوسه على المنبر والثاني حين إقامة الصلاة‏.‏ فكان في عهدهم الأذانان فقط ولم يكن الأذان الثالث، والمراد بالأذانين الأذان الحقيقي والإقامة، وفي رواية وكيع عن ابن أبي ذئب عند ابن خزيمة‏:‏ كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر أذانين يوم الجمعة، قال ابن خزيمة‏:‏ قوله أذانين يريد الأذان والإقامة يعني تغليباً أو لاشتراكهما في الإعلام كذا في فتح الباري‏.‏ ‏(‏فلما كان عثمان‏)‏ أي خلافته أو كان خليفة ‏(‏زاد النداء الثالث‏)‏، قال الحافظ في رواية وكيع عن ابن أبي ذئب‏:‏ فأمر عثمان بالأذان الأول ونحوه للشافعي من هذا الوجه ولا منافاة بينهما لأنه باعتبار كونه مزيداً يسمى ثالثاً وباعتبار كونه جعل مقدماً على الأذان والإقامة يسمى أولاً، ووقع في رواية‏:‏ أن التأذين بالثاني أمر به عثمان وتسميته ثانياً أيضاً متوجه بالنظر إلى الأذان الحقيقي لا الاقامة ‏(‏على الزوراء‏)‏ بفتح الزاء وسكون الواو بعدها راء ممدودة، قال الإمام البخاري في صحيحه‏:‏ الزوراء موضع بالسوق بالمدينة، قال الحافظ‏:‏ ما فسر به البخاري هو المعتمد، وجزم ابن بطال بأنه حجر كبير عند باب المسجد وفيه نظر لما في رواية ابن اسحاق عن الزهري عند ابن خزيمة وابن ماجه بلفظ‏:‏ زاد النداء الثالث على دار في السوق يقال لها الزوراء، وفي روايته عند الطبراني‏:‏ فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها الزوراء فكان يؤذن له عليها، وفي رواية له من هذا الوجه‏:‏ فأذن بالزوراء قبل خروجه ليعلم الناس أن الجمعة قد حضرت كذا في الفتح، وفيه أيضاً‏:‏ زاد أبو عامر يعني ابن خزيمة عن ابن أبي ذئب، فثبت ذلك حتى الساعة‏.‏ وفي رواية يونس يعني عند البخاري بلفظ‏:‏ فثبت الأمر كذلك، والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر، لكن ذكر الفاكهاني أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج وبالبصرة زياد، وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الاَن لا تأذين عندهم سوى مرة، وروى ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر قال‏:‏ الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فيحتمل أن يكون قال ذلك على سبيل الإنكار، ويحتمل أنه يريد أنه لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما لم يكن في زمنه يسمى بدعة لكن منها ما يكون حسناً ومنها ما يكون بخلاف ذلك، وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياساً على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب انتهى‏.‏

تنبيه‏:‏

قال بعض الحنفية‏:‏ الأذان الثالث الذي هو الأول وجوداً إذا كانت مشروعيته باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة له بالسكوت، وعدم الإنكار صار أمراً مسنوناً نظراً إلى قوله صلى الله عليه وسلم، ‏"‏عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين‏"‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم قال القاري في المرقاة‏:‏ فعليكم بسنتي أي بطريقتي الثابتة عني واجباً أو مندوباً، وسنة الخلفاء الراشدين فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي، فالإضافة إليهم إما لعملهم بها أو لاستنباطهم واختيارهم إياها انتهى كلام القاري‏.‏

وقال صاحب سبل السلام‏:‏ أما حديث‏:‏ عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي تمسكوا بها وعضواً عليها بالنواجذ، أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه الحاكم وقال على شرط الشيخين، ومثله حديث‏:‏ اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر، أخرجه الترمذي وقال حسن، وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان، وله طريق فيها مقال إلا أنه يقوي بعضها بعضاً، فإنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم من جهاد الأعداء وتقوية شعائر الدين ونحوها، فإن الحديث عام لكل خليفة راشد لا يخص الشيخين‏.‏ ومعلوم من قواعد الشريعة أنه ليس لخليفة راشد أن يشرع طريقة غير ما كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ثم هذا عمر رضي الله عنه نفسه الخليفة الراشد سمى ما رآه من تجميع صلاته ليالي رمضان بدعة ولم يقل إنها سنة فتأمل‏.‏ على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم خالفوا الشيخين في مواضع ومسائل، فدل أنهم لم يحملوا الحديث على أن ما قالوه وفعلوه حجة‏.‏ وقد حقق البرماوي الكلام في شرح ألفيته في أصول الفقه مع أنه قال إنما الحديث الأول يدل على أنه إذا اتفق الخلفاء الأربعة على قول كان حجة لا إذا انفرد واحد منهم‏.‏ والتحقيق أن الاقتداء ليس هو التقليد بل هو غيره كما حققناه في شرح نظم الكافل في بحث الاجماع انتهى كلام صاحب السبل‏.‏

فإذا عرفت أنه ليس المراد بسنة الخلفاء الراشدين إلا طريقتهم الموافقة لطريقته صلى الله عليه وسلم لاح لك أن الاستدلال على كون الأذان الثالث الذي هو من مجتهدات عثمان رضي الله عنه أمراً مسنوناً ليس بتام، ألا ترى أن ابن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ الأذان الأول يوم الجمعة بدعة، فلو كان هذا الاستدلال تاماً وكان الأذان الثالث أمراً مسنوناً لم يطلق عليه لفظ البدعة لا على سبيل الإنكار ولا على سبيل غير الإنكار، فإن الأمر المسنون لا يجوز أن يطلق عليه لفظ البدعة بأي معنى كان فتفكر‏.‏

369- باب ما جاءَ في الكلامِ بعد نزولِ الإمامِ من المنْبر

514- حدثنا محمدُ بن بَشّارٍ، حدثنا أبو داودَ الطيَالسيّ، حدثنا جريرُ بنُ حازِمٍ عن ثابتٍ عن أنسِ بن مالكٍ قال‏:‏ ‏"‏كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُكَلّمُ بالحاجةِ إذا نزل عن المنبرِ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ لا نعرِفهُ إلا مِن حديثِ جريرِ بنِ حازمٍ‏.‏ ‏(‏قال‏)‏ وسمعتُ محمداً يقولُ‏:‏ وَهِمَ جريرُ بن حازمٍ في هذا الحديثِ، والصّحِيْح ما رُوِيَ عن ثابتٍ عن أنسٍ قال ‏"‏أقيمَتِ الصلاةُ فأخذَ رجُلٌ بِيَدِ النبيّ صلى الله عليه وسلم فما زال يُكَلّمُهُ حتى نَعَسَ بعضُ القومِ‏"‏‏.‏

قال محمدٌ‏:‏ والحديثُ هو هذا‏.‏

وجريرُ بن حازمٍ ربّما يَهِمُ في الشيءِ وهوَ صدُوقٌ‏.‏

قال محمدٌ‏:‏ وَهِمَ جريرُ بن حازمٍ في حديثِ ثابتٍ عن أنَسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏إذا أُقِيمَتِ الصلاةُ فلا تقوموا حتى تَرَوْنِي‏"‏‏.‏

قال محمدٌ‏:‏ ‏(‏و‏)‏ يُرْوَى عن حمادِ بن زيدٍ قال‏:‏ كُنّا عند ثابتٍ البُنَانيّ فحدّثَ حجّاجٌ الصَوّافّ عن يحيى بنِ أبي كثيرٍ عن عبدِ الله بن أبي قَتَادَةَ عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا أقِيمَتِ الصلاةُ فلا تقوموا حتى تَرَوْنِي‏"‏ فَوَهِمَ جريرٌ فظن أن ثابتاً حدّثهُم عن أنسٍ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

515- حدثنا الحسنُ بن عليّ الخَلاّلُ حدثنا عبدُ الرزاقِ أخبرنا مَعْمَرٌ عن ثابتٍ عن أنس قال‏:‏ ‏"‏لقد رَأَيْتُ النّبيّ صلى الله عليه وسلم بعدَ ما تُقَامُ الصلاةُ يُكَلّمُهُ الرجُلُ يقومُ بينَه وبينَ القِبلةِ، فما زال يكلّمهُ‏.‏ فلقد رَأيتُ بعضنا يَنْعَسُ مِن طولِ قِيامِ النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏(‏له‏)‏‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏يكلم بالحاجة إذا نزل من المنبر‏)‏‏.‏ وفي المنتقى بلفظ‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل من المنبر يوم الجمعة فيكلمه الرجل في الحاجة ويكلمه ثم يتقدم إلى مصلاه فيصلي، وعزاه إلى الخمسة، وفيه دليل على أنه لا بأس بالكلام بعد نزول الإمام من المنبر عند الحاجة‏.‏ قال القاضي أبو بكر بن العربي‏:‏ الأصح عندي أن لا يتكلم فيها لأن مسلماً قد روى أن الساعة التي في يوم الجمعة المستجابة هي من حين يجلس الإمام على المنبر إلى أن تقام الصلاة، فينبغي أن يتجرد للذكر والتضرع انتهى‏.‏ قال الشوكاني‏:‏ ومما يرجح ترك الكلام بين الخطبة والصلاة الأحاديث الواردة في الإنصات حتى تنقضي الصلاة كما عند النسائي بإسناد جيد من حديث سلمان بلفظ‏:‏ فينصت حتى يقضي صلاته، قال‏:‏ ويجمع بين الأحاديث بأن الكلام الجائز بعد الخطبة هو كلام الإمام لحاجة أو كلام الرجل للرجل لحاجة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهم جرير بن حازم في هذا الحديث والصحيح ما روى الخ‏)‏ يعني وهم جرير في قوله يكلم بالحاجة إذا نزل من المنبر وإنما الحديث عن ثابت عن أنس‏:‏ أقيمت الصلاة فأخذ رجل، الحديث، وليس فيه إذا نزل من المنبر بل ظاهر الحديث أنه في صلاة العشاء لقوله‏:‏ حتى نعس بعض القوم، كما أن جريراً وهم في تحديثه عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا، الحديث‏.‏ لأن ثابتاً لم يحدث عن أنس وإنما كان جالساً عند تحديث هذا الحديث عن أبي قتادة كذا في شرح الترمذي لأبي الطيب السندي‏.‏

وقال أبو داود في سننه‏:‏ الحديث ليس بمعروف عن ثابت وهو مما تفرد به جرير بن حازم انتهى‏.‏ وقال الدارقطني‏:‏ تفرد به جرير بن حازم عن ثابت انتهى‏.‏

قال العراقي‏:‏ في ما أعل به البخاري وأبو داود الحديث من أن الصحيح كلام الرجل له بعد ما أقيمت الصلاة لا يقدح ذلك في صحة حديث جرير بن حازم بل الجمع بينهما ممكن بأن يكون المراد بعد إقامة صلاة الجمعة وبعد نزوله من المنبر فليس الجمع بينهما متعذراً كيف وجرير بن حازم أحد الثقات المخرج لهم في الصحيح، فلا تضر زيادته في كلام الرجل له أنه كان بعد نزوله عن المنبر انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لا شك في أن جرير بن حازم أحد الثقات المخرج لهم في الصحيح، لكن قال الحافظ في التقريب وله أوهام إذا حدث من حفظه‏.‏ وقال في مقدمة فتح الباري‏:‏ قال الأثرم عن أحمد حدث بمصر أحاديث وهم فيها ولم يكن يحفظ انتهى‏.‏

370- باب ما جاءَ في القراءَةِ في صَلاةِ الجمعة

516- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا حاتمُ بن إسماعيلَ عن جعفر بنِ محمدٍ عن أبِيه عن عُبَيْدِ الله بن أبي رافعٍ مولَى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏استخْلَفَ مروانُ أبا هريرةَ على المدينةِ وخرجَ إلى مكةَ فَصلّى بنا أبو هريرةَ يومَ الجمعةِ فَقَرأ سورةَ الجمعةِ، وفي السجدةِ الثانيةِ ‏{‏إذا جَاءَك المنافقونَ‏}‏ قال عُبَيْدُ الله‏:‏ فأدرَكتُ أبا هريرةَ فقلت له‏:‏ تقرأ لسورتين كان عليّ يقرأ بهما بالكوفة قال أبو هريرة‏:‏ إني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقرأُ بهما‏"‏‏.‏

وفي الباب عن ابنِ عباسٍ والنعمانِ بنِ بشيرٍ وأَبي عِنَبَةَ الخَوْلاَنِيّ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ أبي هريرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وَرُوِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه كانَ يقرأُ في صلاةِ الجمعةِ‏"‏ بـ ‏{‏سبح اسمَ ربّكَ الأعلَى‏}‏ و ‏{‏هل أتاكَ حديثُ الغاشِيةِ‏}‏‏.‏

‏(‏عبيد الله بن أبي رافع كاتبُ علي بن أبي طالب رضي الله عنه‏)‏‏.‏

قوله أخبرنا ‏(‏حاتم بن إسماعيل‏)‏ المدني أبو اسماعيل الحارثي مولاهم أصله من الكوفة صحيح الكتاب صدوق يهم من الثامنة ‏(‏عن جعفر بن محمد‏)‏ بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق صدوق فقيه إمام ‏(‏عن أبيه‏)‏ محمد بن علي بن الحسين أبي جعفر الباقر ثقة فاضل ‏(‏عن عبيد الله بن أبي رافع‏)‏ كان كاتب علي وهو ثقة من الثالثة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏استخلف مروان‏)‏ هو ابن الحكم بن أبي العاص أبو عبد الملك الأموي المدني ولي الخلافة في آخر سنة 64 أربع وستين ومات سنة 65 خمس وستين ‏(‏أبا هريرة على المدينة‏)‏ أي جعله خليفته ونائبه عليها ‏(‏وخرج‏)‏ أي مروان ‏(‏فقرأ سورة الجمعة‏)‏ أي في الركعة الأولى ‏(‏وفي السجدة الثانية‏)‏ أي الركعة الثانية ‏(‏فأدركت أبا هريرة‏)‏ أي لقيته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن ابن عباس والنعمان بن بشير وأبي عتبة الخولاني‏)‏ أما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ يوم الجمعة في صلاة الصبح ‏{‏ألم تنزيل وهل أتى على الإنسان‏}‏، وفي صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين‏.‏ وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه عنه قال‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى بـ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ وفي الثانية بـ ‏{‏هل أتاك حديث الفاشية‏}‏‏{‏وهل أتاك حديث الغاشية‏}‏ ألأفي الأولى قال‏:‏ وإذا اجتمع العيد والجمعة في يوم واحد يقرأ بهما في الصلاتين‏.‏ وروى الجماعة إلا البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير وسأله الضحاك‏:‏ ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة‏؟‏ قال كان يقرأ هل أتاك حديث الغاشية‏.‏ وأما حديث ابن عتبة الخولاني فأخرجه ابن ماجه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا البخاري والنسائي‏.‏ وقد استدل بهذه الأحاديث على أن السنة أن يقرأ الإمام في صلاة الجمعة في الركعة الأولى بالجمعة وفي الثانية بالمنافقين أو في الأولى بالجمعة وفي الثانية بهل أتاك حديث الغاشية‏.‏ قال العراقي‏:‏ والأفضل من هذه الكيفيات قراءة الجمعة في الأولى ثم المنافقين في الثانية، كما نص عليه الشافعي فيما رواه عنه الربيع‏.‏ وقد ثبتت الأوجه الثلاثة فلا وجه لتفضيل بعضها على بعض، إلا أن الأحاديث التي فيها لفظ ‏"‏كان‏"‏ مشعرة بأنه فعل ذلك في أيام متعددة كما تقرر في الأصول‏.‏

371- باب ما جَاءَ ‏(‏في‏)‏ ما يَقْرأُ ‏(‏به‏)‏ في صلاةِ الصبْحِ يومَ الجمعة

517- حدثنا عليّ بن حُجْرٍ أخبرنا شَرِيكٌ عن مُخَوّلِ بنِ راشدٍ عن مُسِلمٍ البَطينِ عن سعيدِ بن جبيرٍ عن ابن عباسٍ قال ‏"‏كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرأُ يومَ الجمعةِ في صلاةِ الفجرِ ‏{‏آلم‏}‏ تنزيلُ ‏"‏السّجْدَةَ‏"‏ و‏{‏هل أتى على الإنسانِ‏}‏‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن سعدٍ وابنِ مسعودٍ وأبي هريرةَ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابن عباسٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ وقد رواه سفيانُ الثوريّ ‏(‏وشعبة‏)‏ وغيرُ واحدٍ عن مُخَوّلٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن مخول‏)‏ على وزن محمد وقيل على وزن منبرٍ ثقة نسب إلى التشيع ‏(‏عن مسلم البطين‏)‏ هو مسلم بن عمران أو ابن عمران البطين من رجال الجماعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ يوم الجمعة في صلاة الفجر الخ‏)‏ قال الحافظ‏:‏ فيه دليل على استحباب قراءة هاتين السورتين في هذه الصلاة من هذا اليوم لما تشعر الصيغة به من مواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، أو إكثاره منه، بل ورد من حديث ابن مسعود التصريح بمداومته صلى الله عليه وسلم على ذلك أخرجه الطبراني ولفظه يديم ذلك وأصله في ابن ماجه بدون هذه الزيادة ورجاله ثقات لكن صوب أبو حاتم إرساله انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن سعد وابن مسعود وأبي هريرة‏)‏ أما حديث سعد وهو ابن أبي وقاص فأخرجه ابن ماجه‏.‏ وأما حديث ابن مسعود فأخرجه ابن ماجه أيضاً‏.‏ وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الجماعة إلا الترمذي وأبا داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عباس حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي‏.‏

372- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في الصَلاةِ قبلَ الجمعةِ وبعدَها

518- حدثنا ابن أبي عُمَرَ، حدثنا سفيانُ بن عُيَينَةَ عن عَمْروِ بن دينارٍ عن الزهريّ عن سالمٍ عن أبيه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏أنه كان يُصَلّي بعدَ الجمعةِ ركعَتيْنِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن جابرٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ عُمَرَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

وقد رُوِيَ عن نافعٍ عن ابنِ عُمَر أيضاً‏.‏ والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ وبه يقولُ الشافعيّ وأحمدُ‏.‏

519- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا اللّيْثُ عن نافعٍ عن ابن عُمر ‏"‏أنه كان إذا صلّى الجمعةَ انصرَفَ فصلّى سجدَتَيْنِ في بيتِهِ ثم قال‏:‏ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَصْنَعُ ذلك‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

325- حدثنا ابن أبي عُمَر، حدثنا سفيانُ عن سُهيلِ بن أبي صالحٍ عن أبيهِ عن أبي هريرةَ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏مَن كانَ مِنكم مصَلّياً بعدَ الجمعةِ فَلْيُصَلّ أربعاً‏"‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

حدثنا الحسنُ بن علي حدثنا عليّ بن المَدينيّ عن سُفيانَ بن عُيَيْنَةَ قال‏:‏ كُنّا نَعُدّ سُهَيْلَ بنَ أبي صالحٍ ثَبْتاً في الحديثِ‏.‏

والعملُ على هذا عندَ بعضِ أهلِ العلمِ‏.‏

وَرُوِي عَن ‏(‏عبدِ الله‏)‏ بنِ مسعودٍ أنه كان يصَلّي قبلَ الجُمعةِ أربعاً وبعدَها أربعاً‏.‏

و ‏(‏قد‏)‏ رُوِي عن عليّ بن أبي طالبٍ ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ أنه أمرَ أن يُصَلّى بعدَ الجمعةِ ركعَتيْنِ ثم أربعاً‏.‏

وذهبَ سفيانُ الثوريّ وابنُ المباركِ إلى قولِ ابن مسعودٍ‏.‏

وقال إسحاقُ‏:‏ إِن صَلّى في المسجدِ يومَ الجمعةِ صلّى أربعاً، وإن صلّى في بَيْتِه صلّى ركعَتْينِ‏.‏ واحتَجّ بِأَن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يُصَلّي بعدَ الجمعةِ ركعَتْينِ في بَيْتِه، وحديث النبيّ صلى الله عليه وسلم ‏"‏مَن كانَ منْكمُ مُصَلّياً بعدَ الجمعةِ فَلْيُصلّ أربعاً‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وابن عُمرَ هوَ الذي رَوَى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلّي بعد الجمعةِ ركعَتْينِ في بَيْتِه‏.‏ وابنُ عُمرَ بعدَ النبيّ صلى الله عليه وسلم صلّى في المسجدِ بعدَ الجمعةِ ركعَتْين، وصلّى بعد الركعَتيْنِ أربعاً‏.‏ حدثنا بِذلك ابن أبي عُمَرَ حدثنا سفيان ‏(‏بن عيينة‏)‏ عن ابن جُرَيْجٍ عن عطاءٍ قال‏:‏ رأيت ابنَ عُمرَ صلّى بعدَ الجمعةِ ركعَتْينِ ثم صلّى بعد ذلك أرْبعاً‏.‏

حدثنا سعيدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ المخزوميّ حدثنا سُفيانُ بن عُيَيْنَةَ عن عَمْروِ بنِ دينارٍ قال‏:‏ ما رأيتُ أحداً أنَصّ للحديثِ مِن الزهريّ، وما رأيتُ أحداً ‏(‏الدنانير‏)‏ الدراهِمُ أهونُ عليه منْهُ، إن كانتْ ‏(‏الدنانير‏)‏ الدراهِمُ عندَهُ بمنزلةِ البعْرِ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ سمعتُ ‏"‏ابن أبي عُمَرَ‏"‏ قال‏:‏ سمعت سفيانَ بن عُيَيْنَةَ يقولُ‏:‏ كان عَمْرُو بن دينارٍ أسَنّ من الزُهْريّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يصلي بعد الجمعة ركعتين‏)‏ فيه دليل على أن السنة بعد الجمعة ركعتان وبه استدل من قال به‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جابر‏)‏ أخرجه ابن ماجه عن جابر وأبي هريرة بلفظ‏:‏ جاء سليك الغطفاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له أصليت ركعتين قبل أن تجيء‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال فصل ركعتين وتجوز فيهما‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ لم يذكر الرافعي في سنة الجمعة التي قبلها حديثاً‏.‏ وأصح ما فيه ما رواه ابن ماجه، ثم ذكر الحافظ هذا الحديث ثم قال‏:‏ قال المجد بن تيمية في المنتقى‏:‏ قوله قبل أن تجيء دليل على أنهما سنة الجمعة التي قبلها لاتحية المسجد، وتعقبه المزي بأن الصواب أصليت ركعتين قبل أن تجلس فصحفه بعض الرواة انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقد روي عن نافع عن ابن عمر أيضاً‏)‏ أي كما روي عن سالم عن ابن عمر وقد روى الترمذي رواية نافع بعد هذا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وأحمد‏)‏ قال العراقي لم يرد الشافعي وأحمد بذلك إلا بيان أقل ما يستحب وإلا فقد استحبا أكثر من ذلك فنص الشافعي في الأم على أنه يصلي بعد الجمعة أربع ركعات ذكره في باب صلاة الجمعة والعيدين‏.‏ ونقل ابن قدامة عن أحمد أنه قال‏:‏ إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء صلى أربعاً، وفي رواية عنه‏:‏ ستا، كذا في النيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كنا نعد سهيل بن أبي صالح ثبتاً في الحديث‏)‏ قال الحافظ في التقريب‏:‏ صدوق تغير حفظه بآخره، روى له البخاري مقروناً وتعليقاً انتهى‏.‏ قلت احتج به الجماعة سوى البخاري وثقه ابن عيينة والعجلي، وقال النسائي هو خير من فليح وحسين المعلم وعد جماعة يعترض على البخاري في احتجاجه بهم وعدم احتجاجه بسهيل، وروى له البخاري مقروناً وتعليقاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند بعض أهل العلم‏)‏ أي على حديث أبي هريرة المذكور‏:‏ من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً، وهو مذهب أبي حنيفة‏.‏

وقد اختلف العلماء في الصلاة بعد الجمعة، فقالت طائفة‏:‏ يصلي بعدها ركعتين، روى ذلك عن عمر وعمران بن حصين والنخعي، وقالت طائفة‏:‏ يصلي بعدها أربعاً، روى ذلك عن ابن مسعود وعلقمة والنخعي وهو قول أبي حنيفة وإسحاق وقالت طائفة‏:‏ يصلي بعدها ركعتين ثم أربعاً، روى ذلك عن علي وابن عمر وأبي موسى، وهو قول عطاء والثوري وأبي يوسف‏.‏ إلا أن أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين‏.‏

حجة الأولين حديث ابن عمر المذكور، وحجة الطائفة الثانية حديث أبي هريرة المذكور، وحجة الطائفة الثالثة ما رواه أبو إسحاق عن عطاء قال‏:‏ صليت مع ابن عمر الجمعة فلما سلم قام فركع ركعتين ثم صلى أربعاً ثم انصرف، ووجه قول أبي يوسف ما رواه الأعمش عن ابراهيم عن سليمان بن مسهر عن حرشة بن الحر أن عمر رضي الله عنه كره أن يصلي بعد صلاة مثلها‏.‏ هذا ملخص مْا في عمدة القاري للعيني‏.‏

قلت‏:‏ واستدل للطائفة الثالثة بما رواه أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع إلى بيته فصلى ركعتين ولم يصل في المسجد فقيل له في ذلك فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك والحديث هذا سكت عنه أبو داود والمنذري وقال العراقي إسناده صحيح‏.‏

قلت‏:‏ ثبت عنه صلى الله عليه وسلم ركعتان بعد الجمعة فعلاً وأربع قولاً‏.‏ وأما الست فلم تثبت عنه صلى الله عليه وسلم بحديث صحيح صريح‏.‏ نعم ثبتت عن ابن عمر رضي الله عنه من فعله، وروي عن علي أنه أمر بها‏.‏ وأما حديث ابن عمر الذي نقلناه آنفاً عن أبي داود فقال العراقي‏:‏ إنما أراد رفع فعله بالمدينة فحسب لأنه لم يصح أنه صلى الله عليه وسلم صلى الجمعة بمكة انتهى‏.‏ والأولى بالعمل عندي أن يصلى الرجل بعد الجمعة أربعاً لأنه قد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قولاً وأمرنا به وحثنا عليه والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروي عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعاً وبعدها أربعاً‏)‏ أخرجه عبد الرزاق ورواه الطبراني عن ابن مسعود مرفوعاً وفي إسناده ضعف وانقطاع، كذا في فتح الباري‏.‏ وقال الحافظ في التلخيص‏:‏ وفي ابن ماجه عن ابن عباس‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم يركع قبل الجمعة أربع ركعات لا يفصل بينهن بشيء، وإسناده ضعيف جداً‏.‏ وفي الباب عن ابن مسعود وعلي رضي الله عنه في الطبراني الأوسط‏.‏ وصح عن ابن مسعود من فعله رواه عبد الرزاق، وفي الطبراني الأوسط عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل الجمعة ركعتين وبعدها ركعتين رواه في ترجمة أحمد بن عمرو انتهى ما في التلخيص‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروي عن علي بن أبي طالب أنه أمر أن يصلي بعد الجمعة ركعتين ثم أربعاً‏)‏ أخرجه أحمد بن الحسن البغدادي بسنده إلى علي وزاد‏:‏ يجعل التسليم في آخرهن، كذا في شرح الترمذي لسراج أحمد السرهندي‏.‏ وفي عمدة القاري للعيني‏:‏ في سنن سعيد بن منصور عن أبي عبد الرحمَن السلمي قال‏:‏ علمنا ابن مسعود أن نصلي بعد الجمعة أربعاً، فلما قدم علينا علي بن أبي طالب علمنا أن نصلي ستاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم الخ‏)‏‏.‏ حاصل احتجاجه أن حديث الأربع مطلق وليس مقيداً بكونها في البيت وأما حديث الركعتين فهو مقيد بكونهما في البيت، فحديث الركعتين يحمل على ما إذا صلى في البيت، وحديث الأربع على ما إذا صلى في المسجد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال أبو عيسى‏:‏ وابن عمر هو الذي روى الخ‏.‏‏)‏ مقصود الترمذي الرد على ما قال اسحاق وحاصله أن الأمر لو كان كما قال إسحاق لما صلى ابن عمر بعد الجمعة في المسجد ركعتين، فإنه هو الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي بعد الجمعة ركعتين في بيته ‏(‏ما رأيت أحداً أنص للحديث من الزهري‏)‏ قال الجزري في النهاية أي أرفع له وأسند انتهى‏.‏ وفي تهذيب التهذيب قال علي بن الحسن النسائي عن ابن عيينة‏:‏ مرض عمرو فعاده الزهري فلما قام الزهري قال ما رأيت شيخاً أنص للحديث الجيد من هذا الشيخ انتهى ‏(‏إن كانت الدارهم عنده‏)‏ إن هذه مخففة من المثقلة ‏(‏سمعت أبي عمر‏)‏ كذا وقع في النسخة الأحمدية، ووقع في غيرها‏:‏ سمعت ابن أبي عمر وهو الصحيح، وقد سقط لفظ ‏(‏ابن‏)‏ من النسخة الأحمدية‏.‏

373- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ فيمن أدرك مِنَ الجمعةِ ركعة

520- حدثنا نصرُ بن علي و سعيدُ بن عبدِ الرحمَنِ وغيرُ واحدٍ قالوا‏:‏ حدثنا سفيانُ بن عُيَينةَ عن الزهريّ عن أبي سَلَمَة عَن أبي هريرةَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏من أدركَ من الصلاةِ ركعةً فقد أدركَ الصلاةَ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ أكثرِ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبي صلى الله عليه وسلم وغيرِهم قالوا‏:‏ مَن أدرَك ركعةً من الجُمعَةِ صلّى إليها أُخرى ومَن أدركَهُمْ جُلوساً صلّى أربعاً‏.‏

وبه يقولُ سفيانُ الثوريّ وابنُ المباركِ والشافعيّ وأحمدُ وإسحاقُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فقد أدرك الصلاة‏)‏ ليس على ظاهره بالإجماع لأنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركاً لجميع الصلاة بحيث تحصل براءة ذمته من الصلاة فإذا فيه إضمار تقريره فقد أدرك وقت الصلاة أو حكم الصلاة أو نحو ذلك ويلزمه إتمام بقيتها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه الشيخان‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ومن أدركهم جلوساً‏)‏ أي ومن أدرك الإمام والمصلين معه‏.‏ جالسين ‏(‏صلى أربعاً‏)‏ أي بعد سلام الإمام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ من أدرك مع الإمام شيئاً من صلاة الجمعة ولو في التشهد يصلي ما أدرك معه ويتم الباقي ولا يصلي الظهر لإطلاق حديث‏:‏ ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا‏.‏ أخرجه أصحاب الكتب الستة وغيرهم‏.‏ واستدل الأولون بحديث الباب فإنه بإطلاقه يشمل الجمعة فيلزم أن مدرك ركعة من الجمعة مدرك لها، وبمفهومه يدل على أن من لم يدرك ركعة بل دونها فهو غير مدرك، ومن لم يدرك الجمعة يصلي أربعاً‏.‏

وأجاب عنه الحنفية بأن الحديث مطلق فيفيد أن حكم جميع الصلوات واحد، وحكم سائر الصلوات أنه إذا أدرك شيئاً منها مع الإمام ولو في التشهد يصلي ما أدرك معه ويتم الباقي ولا يزيد على ذلك، فكيف يزيد في الجمعة بإطلاق الحديث، والمفهوم عندهم لا عبرة به، ولو كان معتبراً لا يقدم على الصريح‏.‏ كذا في شرح أبي الطيب المدني‏.‏

واستدل الأولون أيضاً بحديث أبي هريرة‏:‏ من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة يوم الجمعة فليضف إليها أخرى، ومن لم يدرك الركوع من الركعة الأخيرة فليصل الظهر أربعاً، رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ عن ابن شهاب عن سعيد عن أبي هريرة، وفي رواية له من طريقه بلفظ‏:‏ ‏"‏إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى، وإن لم يدرك ركعة فليصل أربع ركعات‏"‏‏.‏

وأجيب عنه بأن هذا الحديث ضعيف فإن ياسين ضعيف متروك، ولهذا الحديث طرق كلها معلولة‏.‏ قال الحافظ في التلخيص بعد ذكرها‏:‏ وقد قال ابن حبان في صحيحه إنها كلها معلولة‏.‏ وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه‏:‏ لا أصل لهذا الحديث إنما المتن‏:‏ من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها‏.‏ وذكر الدارقطني الاختلاف في علله وقال الصحيح من أدرك من الصلاة ركعة، وكذا قال العقيلي انتهى‏.‏

واستدلوا أيضاً بحديث ابن عمر مرفوعاً‏:‏ من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته‏.‏ وفي لفظ‏:‏ فقد أدرك الصلاة، رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني من طريق بقية، حدثني يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن أبيه‏.‏

وأجيب عنه بأن هذا الحديث أيضاً لا يصلح للاحتجاج‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ قال ابن أبي داود والدارقطني‏:‏ تفرد به بقية عن يونس وقال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه‏:‏ هذا خطأ في المتن والإسناد وإنما هو عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعاً‏:‏ من أدرك من صلاة ركعة فقد أدركها‏.‏ وأما قوله‏:‏ من صلاة الجمعة، فوهم‏.‏

قال الحافظ‏:‏ إن سلم من وهم بقية ففيه تدليس التسوية لأنه عنعن لشيخه انتهى‏.‏ ولهذا الحديث طرق أخرى كلها ضعيفة قد ذكرها الحافظ في التلخيص مع بيان ضعفها‏.‏

والأصح عندي ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن من أدرك مع الإمام شيئاً من صلاة الجمعة ولو في التشهد يصلي ما أدرك معه ويتم الباقي ولا يصلي الظهر لإطلاق ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا‏.‏ فأما ما ذهب إليه الأولون فلم أجد حديثاً صحيحاً صريحاً يدل عليه والله تعالى أعلم‏.‏

374- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في القائلَةِ يومَ الجُمعَة

‏(‏باب في القائلة يوم الجمعة‏)‏ القائلة بمعنى القيلولة وهي الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم وكذلك المقيل‏.‏

521- حدثنا عليّ بنُ حُجْرٍ حدثنا عبدُ العزيزِ بنُ أبي حَازمٍ و عبدُ الله بن جعفرٍ عن أبي حازمٍ عن سهلِ بنِ سعد ‏(‏رضي الله عنه‏)‏ قال ‏"‏ما كُنّا نتغدّى في عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولا نَقِيلُ إلا بعدَ الجُمعَةِ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏:‏‏)‏ وفي الباب عن أنسِ ‏(‏بنِ مالكٍ‏)‏ ‏(‏رضي الله عنه‏)‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ سهلِ بنِ سعدٍ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

‏(‏قوله أخبرنا عبد العزيز بن أبي حازم‏)‏، المدني صدوق فقيه ‏(‏ما كنا نتغدى‏)‏ بالغين المعجمة والدال المهملة من الغداء وهو الطعام الذي يؤكل أول النهار ‏(‏ولا نقيل‏)‏ من قال يقيل قيلولة فهو قائل واستدل بهذا الحديث لأحمد على جواز صلاة الجمعة قبل الزوال‏.‏ وتعقب بأنه لا دلالة فيه على أنهم كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال بل فيه أنهم كانوا يتشاغلون عن الغداء والقائلة بالتهيؤ للجمعة ثم بالصلاة ثم ينصرفون فيقيلون ويتغدون، فكون قائلتهم وغداؤهم بعد الجمعة عوضاً عما فاتهم في وقته من أجل بكورهم، كذا في الفتح وعمدة القاري، قال العيني‏:‏ وعلى هذا التأويل جمهور الأئمة وعامة العلماء انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح‏)‏ قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أنس بن مالك‏)‏ أخرجه أحمد والبخاري قال كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ثم نرجع إلى القائلة فنقيل‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث سهل بن سعد حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة‏.‏

375- باب في مَن نَعَس يوم الجُمعَة أنه يَتَحَوّلُ من مجلِسِه

522- حدثنا أبو سعيدٍ الأشَجّ حدثنا عَبْدَةُ بنُ سُلَيمانَ و أَبو خالدٍ الأَحْمَرُ عن محمدِ بنِ إسحاقَ عن نافعٍ عن ابن عُمَر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏إذا نَعسَ أحدُكُم يومَ الجُمعَةِ فَلْيَتَحَوّلْ من مجلِسِهِ ‏(‏ذلك‏)‏‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إذا نعس‏)‏ بفتح العين ‏(‏يوم الجمعة‏)‏ وفي رواية أحمد إذا نعس أحدكم في المسجد يوم الجمعة ‏(‏فليتحول‏)‏ أي فلينتقل إلى محل آخر‏.‏ والحكمة في الأمر بالتحول أن الحركة تذهب النعاس، ويحتمل أن الحكمة فيه انتقاله من المكان الذي أصابته فيه الغفلة بنومه وإن كان النائم لا حرج عليه فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة نومهم عن صلاة الصبح في الوادي بالانتقال منه، وأيضاً من جلس ينتظر الصلاة فهو في صلاة، والنعاس في الصلاة من الشيطان، فربما كان الأمر بالتحول لإذهاب ما هو منسوب إلى الشيطان من حيث غفلة الجالس في المسجد عن الذكر أو سماع الخطبة أو ما فيه منفعة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أبو داود وأحمد‏.‏

376- باب ما جاءَ في السّفَرِ يومَ الجمعة

523- حدثنا أحمدُ بن مَنِيعٍ، حدثنا أبو مُعَاويةَ عن الحجّاجِ عن الحكَمِ عن مِقْسَمٍ عن ابنِ عباسٍ قال ‏"‏بعثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم عبدَ الله بن رَوَاحَةَ في سَرِيّةٍ فَوافَقَ ذلكَ يومَ الجُمعِة، فَغَدا أصْحَابُه فقالَ‏:‏ أَتَخَلّفُ فأُصَلّي مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم أَلْحَقُهُمْ، فلمّا صلّى مع النبيّ صلى الله عليه وسلم رآه فقالَ‏:‏ ما مَنَعَكَ أن تَغْدوَ مَع أَصحَابِكَ، فقال‏:‏ أردْتُ أن أُصَلّىَ معَك ثم الْحَقُهُمْ، قال لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الأرضِ ‏(‏جميعاً‏)‏ ما أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتِهمْ‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذ حديثُ ‏(‏غريب‏)‏ لا نعرِفهُ إلاّ مِن هذا الوجهِ‏.‏

قال عليّ بن المَدِينيّ‏:‏ قال يحيى بنُ سعيدٍ‏:‏ ‏(‏و‏)‏ قال شُعْبةُ‏:‏ لم يسمعْ الحَكَمُ من مِقْسَمٍ إلاّ خمسةَ أَحاديثَ وعَدّها شعْبةُ، وليسَ هذا الحديثُ فيما عَدّ شُعْبَةُ‏.‏ فكأنّ هذا الحديثَ لم يسمعْهُ الْحكَمُ من مِقْسَمِ‏.‏

وقد اختلفَ أَهلُ العِلم في السفرِ يومَ الجمعةِ، فلم ير بعضُهم بأساً بأن يخرجَ يومَ الجمعةِ في السفرِ ما لم تحضر الصلاةُ‏.‏

وقَال بعضُهم‏:‏ إذا أصْبَحَ فلا يَخْرُج حتى يصلّىَ الجمعةَ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن الحجاج‏)‏ هو ابن أرطأة الكوفي القاضي أحد الفقهاء صدوق كثير الخطأ والتدليس من السابعة ‏(‏عن الحكم‏)‏ هو ابن عتيبة أبو محمد بن الكندي الكوفي ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس قاله في التقريب ‏(‏عن مقسم‏)‏ بكسر أوله ابن بجرلا بضم الموحدة وسكون الجيم ويقال نجدة بفتح النون وبدال أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث ويقال له مولى ابن عباس للزومه له صدوق وكان يرسل وما له في البخاري سوى حديث واحد‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏بعث النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن رواحة‏)‏ الأنصاري الخزرجي أحد النقباء شهد العقبة وبدراً وأحداً والخندق والمشاهد بعدها إلا الفتح وما بعده فإنه قتل يوم مؤتة شهيداً أميراً فيها سنة ثمان وهو أحد الشعراء المحسنين، روى عنه ابن عباس وغيره ‏(‏في سرية‏)‏ بفتح السين وكسر الراء وتشديد التحتية طائفة من الجيش أقصاها أربعائة ‏(‏فوافق ذلك‏)‏ أي زمن البعث ‏(‏فغدا صحابه‏)‏ أي ذهبوا أول النهار ‏(‏فقال‏)‏ أي عبد الله بن رواحة في نفسه ونوى أن يتخلف فيصلي معه صلى الله عليه وسلم أو قال لبعض أصحابه ‏(‏فضل غدوتهم‏)‏ بفتح الغين وضمها أي فضيلة إسراعهم في ذهابهم إلى الجهاد‏.‏ قال الطيبي كان الظاهر أن يقال غدوتهم أفضل من صلاتك هذه فعدل إلى المذكور مبالغة كأنه قيل لا يوازيها شيء من الخيرات وذلك أن تأخره ذاك ربما يفوت عليه مصالح كثيرة، ولذلك ورد‏:‏ لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وكأن هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم‏)‏ وقال البيهقي انفرد به الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف انتهى كذا في التلخيص‏.‏ قلت‏:‏ وحجاج بن أرطأة مدلس وروى هذا الحديث عن الحكم بالعنعنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فلم ير بعضهم بأساً بأن يخرج يوم الجمعة ما لم تحضر الصلاة‏)‏ لحديث الباب لما روى الشافعي عن عمر، أنه رأى رجلاً عليه هيئة السفر فسمعه يقول‏:‏ لولا أن اليوم يوم جمعة لخرجت فقال له عمر‏:‏ أخرج فإن الجمعة لا تحبس عن السفر‏.‏ وروى سعيد بن منصور عن صالح بن كيسان أن أبا عبيدة بن الجراح سافر يوم الجمعة ولم ينتظر الصلاة‏.‏ ذكره الحافظ في التلخيص‏.‏ ولأنه لم يثبت المنع عن السفر يوم الجمعة بحديث صحيح ‏(‏وقال بعضهم إذا أصبح فلا يخرج حتى يصلي الجمعة‏)‏ لما ورد في بعض الأحاديث من المنع‏.‏ قال الحافظ في التلخيص في الافراد للدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً‏:‏ من سافر يوم الجمعة دعت عليه الملائكة أن لا يصحب في سفره‏.‏

قال الحافظ‏:‏ وفيه ابن لهيعة‏.‏ وفي مقابله ما رواه أبو داود في المراسيل عن الزهري أنه أراد أن يسافر يوم الجمعة ضحوة فقيل له ذلك، فقال‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلم سافر يوم الجمعة ثم ذكر الحافظ أثر عمر وأثر أبي عبيدة المذكورين‏.‏ وفي اختلاف الأئمة ومن كان من أهل الجمعة وأراد السفر بعد الزوال لم يجز له إلا أن يمكنه صلاة الجمعة في الطريق أو يتضرر بتخلفة عن الرفقه، وهل يجوز قبل الزوال‏:‏ قال إمامنا أبو حنيفة ومالك‏:‏ يجوز، وللشافعي قولان أصحهما عدم الجواز‏.‏ قال أحمد لا يجوز قبل الزوال لأن وقتها عنده من وقت صلاة العيد إلى آخر وقت الظهر، قال إلا أن يكون سفر الجهاد انتهى‏.‏

377- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في السّواكِ والطيبِ يومَ الجمعة

524- حدثنا عليّ بن الحسَنِ الكوفيُ حدثنا أبو يحيى إسماعيلُ بن ابراهيمَ التَيْمِيّ عن يزيدَ بن أبي زيَاد عن عبدِ الرحمَنِ بن أبي لَيْلَى عن البراءِ بن عازبٍ قال‏:‏ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏حَقّ على المسلمينَ أن يَغْتسلوا يومَ الجُمعةِ، وليْمَسَ أحدُهم مِن طيبِ أهلِه، فإِن لم يَجِدْ فالماء له طِيبٌ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن أبي سعيدٍ وشيخٍ مِنَ الأنصارِ‏.‏

525- حدثنا أحمدُ بن مَنيعٍ حدثنا هُشَيْمٌ عن يزيدَ بن أبي زِيَادٍ بهذا الاسناد‏:‏ نحوَه‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ البَراءِ حديث حسنٌ وروَايةُ هُشيْمٍ أحسنُ مِن رِوَايةِ إسماعيلَ ابنِ إبراهيمَ التّيْمِيّ وإسماعيلُ بن إبراهيمَ ‏(‏التّيْمِيّ‏)‏ يُضعّفُ في الحديث‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا علي بن الحسن الكوفي‏)‏ قال العراقي‏:‏ لم يتضح من هو، فإن في هذه الطبقة ثلاثة‏:‏ الأول علي بن الحسن بن سليمان الكوفي كنيته أبو الحسن ويعرف بأبي الشعثاء روى عنه مسلم، والثاني علي بن الحسن الكوفي روى عن عبد الرحيم بن سليمان والمعافى ابن عمران روى عنه النسائي، والثالث علي بن الحسين الكوفي روى عن اسماعيل بن ابراهيم التيمي روى عنه المصنف انتهى‏.‏ قلت‏:‏ قال في الخلاصة‏:‏ علي بن الحسن الكوفي روى عن اسماعيل بن ابراهيم التيمي وعنه صلى الله عليه وسلم فلعله اللاني انتهى‏.‏ وكذلك قال في التقريب‏:‏ واللاني هو علي بن الحسن الكوفي الذي روى عنه عبد الرحيم بن سليمان والمعافى وعنه النسائي‏.‏ وقال في تهذيب التهذيب‏:‏ علي بن الحسن الكوفي عن أبي يحيى اسماعيل بن ابراهيم ومحبوب بن محرز القواريري روى عنه الترمذي وهو غير أبي الشعثاء وأظنه اللاني، وذكر صاحب الكمال أن الترمذي روى عن أبي الشعثاء فوهم انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حقاً على المسلمين‏)‏ قال الطيبي‏:‏ حقاً مصدر مؤكد أي حق ذلك حقاً فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه اختصاراً ‏(‏أن يغتسلوا‏)‏ فاعل حق المقدر ‏(‏يوم الجمعة‏)‏ ظرف للاغتسال ‏(‏وليمس‏)‏ بكسر اللام ويسكن قال الطيبي عطف على ما سبق بحسب المعنى إذ فيه سمة الأمر أي ليغتسلوا وليمس أحدكم ‏(‏من طيب أهله‏)‏ أي بشرط طيب أهله، لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس، أو من طيب له عند أهله‏"‏ ‏(‏فإن لم يجد أي طيباً ‏(‏فالماء له طيب‏)‏ قال العراقي المشهور في الرواية بكسر التاء وسكون المثناة من تحت أي أنه يقوم مقام الطيب قال الطيبي أي عليه أن يجمع بين الماء والطيب، فإن تعذر الطيب فالماء كاف لأن المقصود التنظيف وإزالة الرائحة الكريهة، وفيه تطييب لخاطر المساكين انتهى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي سعيد وشيخ من الأنصار‏)‏ أما حديث أبي سعيد فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي‏.‏ وأما حديث شيخ من الأنصار فأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ‏:‏ حق على المسلم الغسل يوم الجمعة والسواك والطيب كذا في شرح أحمد السرهندي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏قال حدثنا أحمد بن منيع‏)‏ أي قال أبو عيسى الترمذي حدثنا أحمد بن منيع ‏(‏نحوه معناه‏)‏ أخرجه أحمد من طريق هشيم عن يزيد بن أبي زياد ولفظه‏:‏ إن من الحق على المسلمين أن يغتسل أحدهم يوم الجمعة وأن يمس من طيب إن كان عند أهله وإن لم يكن عندهم طيب فإن الماء أطيب‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث البراء حسن‏)‏ وأخرجه أحمد، وفي كونه حسناً كلام، إن مداره فيما أعلم على يزيد بن ابن بن زياد وقد ضعفه جماعة‏.‏ قال الذهبي في الميزان‏:‏ قال يحيى ليس بالقوى، وقال أيضاً لا يحتج به، وقال ابن المبارك‏:‏ ارم به، وقال شعيبة كان يزيد بن أبي زياد رفاعاً‏.‏ وقال أحمد‏:‏ حديثه ليس بذلك، وخرج له مسلم مقروناً بآخر وقد عرفت من التقريب أنه كبر فتغير‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏ورواية هشيم أحسن من رواية اسماعيل بن ابراهيم‏)‏ فإن هشيماً وهو ابن بشير ثقة ثبت، وإسماعيل بن ابراهيم ضعيف

5- أبواب العيدين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

378- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في المشْيَ يومَ العيد

‏(‏باب ما جاء في المشي يوم العيد‏)‏ أصل العيد عود لأنه مشتق من عاد يعود عوداً وهو الرجوع قلبت الواو ياء كما في الميزان والميقات، وسميا عيدين لكثرة عوائد الله تعالى فيهما، وقيل لأنهم يعودون إليه مرة بعد أخرى قاله العيني‏.‏

526- حدثنا إسمَاعيلُ بنُ مُوسى ‏(‏الفزاري‏)‏ حدثنا شَرِيكٌ عن أبي إسحاق عنِ الحارثِ عن عليّ بن أبي طالب قال‏:‏ ‏"‏من السُنّةِ أن تَخرُجَ إلى العيدِ ماشياً وأن تَأكُلَ شيئاً قبل أن تخرج‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ‏.‏

والعملُ على هذا الحديثِ عندْ أكْثر أهلِ العلْمِ يسْتحِبونَ أن يَخرجَ الرجُلُ إلى العيدِ ماشياً ‏(‏وأن يأكل شيئاً قبل أن يخرج لصلاة الفطر‏)‏‏.‏

‏(‏قال أبو عيسى‏)‏‏:‏ و ‏(‏يستحب‏)‏ أن لا يركب إلا من عذر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا إسماعيل بن موسى‏)‏ هو الفزاري أنبأنا ‏(‏شريك‏)‏ بن عبد الله الكوفي النخعي صدوق يخطئ كثيراً تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة ‏(‏عن أبي إسحاق‏)‏ هو السبيعي ‏(‏عن الحارث‏)‏ هو الأعور‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏من السنة أن تخرج إلى العيد ماشياً‏)‏ هذا له حكم الرفع، وفيه دليل على أن الخروج إلى العيد ماشياً من السنة، والحديث وإن كان ضعيفاً لكن قد ورد في هذا الباب أحاديث ضعاف أخرى تؤيده كما ستعرف ‏(‏وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج‏)‏ هذا مختص بعيد الفطر، وأما عيد الأضحى فلا يأكل حتى يصلي لما سيأتي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن‏)‏ في كونه نظر لأن في سنده الحارث الأعور وقد عرفت حاله‏.‏

وفي الباب عن ابن عمر وعن سعد القرظ وعن أبي رافع وعن سعد بن أبي وقاص‏.‏

فأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً، وفي إسناده عبد الرحمَن بن عبد الله بن عمر العمري كذبه أحمد، وقال أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي متروك وقال البخاري ليس مما يروى عنه‏.‏

وأما حديث سعد القرظ فأخرجه أيضاً ابن ماجه بنحو حديث ابن عمر وفي إسناده عبد الرحمَن بن سعد بن عمار بن سعد القرظ عن أبيه عن جده، وقد ضعفه ابن معين وأبوه سعد بن عمار، قال في الميزان‏:‏ لا يكاد يعرف، وجده عمار بن سعد قال فيه البخاري‏:‏ لا يتابع على حديثه، وذكره ابن حبان في الثقات‏.‏

وأما حديث أبي رافع فأخرجه أيضاً ابن ماجه عنه‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأتي العيد ماشياً، وفي إسناده مندل بن علي ومحمد بن عبد الله بن أبي رافع، ومندل متكلم فيه، ومحمد قال البخاري‏:‏ منكر الحديث، وقال ابن معين ليس بشيء‏.‏

وأما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه البزار في مسنده، ذكره الشوكاني في النيل وهو أيضاً ضعيف‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم‏:‏ يستحبون أن يخرج الرجل إلى العيد ماشياً، وأن لا يركب إلا من عذر‏)‏ وعليه العمل عند الحنفية أيضاً، واستدلوا على ذلك بأحاديث الباب‏.‏ وقد استدل الحافظ العراقي لاستحباب المشي في صلاة العيد بعموم حديث أبي هريرة المتفق عليه‏.‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون‏.‏ فهذا عام في كل صلاة تشرع فيها الجماعة كالصلوات الخمس والجمعة والعيدين والكسوف والاستسقاء‏.‏ قال‏:‏ وقد ذهب أكثر العلماء إلى أنه يستحب أن يأتي إلى صلاة العيد ماشياً، فمن الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، ومن التابعين إبراهيم النخعي وعمر بن عبد العزيز، ومن الأئمة سفيان الثوري والشافعي وأحمد وغيرهم‏.‏ ويستحب أيضاً المشي في الرجوع كما في حديث ابن عمر وسعد القرظ‏.‏ وروى البيهقي في حديث الحارث عن علي أنه قال‏:‏ من السنة أن تأتي العيد ماشياً ثم تركب إذا رجعت‏.‏ قال العراقي‏:‏ وهذا أمثل من حديث ابن عمر وسعد القرظ وهو الذي ذكره أصحابنا يعني الشافعية‏.‏

وقد عقد الإمام البخاري في صحيحه باباً لهذه المسألة بلفظ‏:‏ باب المشي والركوب إلى العيد بغير أذان ولا إقامة، وليس فيما ذكره من الأحاديث ما يدل على مشي ولا ركوب‏.‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ لعله أشار بذلك إلى تضعيف ما ورد في الندب إلى المشي ثم ذكر حديث الباب وحديث سعد القرظ وحديث أبي رافع ثم قال‏:‏ وأسانيد الثلاثة ضعاف انتهى‏.‏

قلت‏:‏ أحاديث الباب وإن كانت ضعافاً لكنها بعضها يعتضد ببعض ويؤيدها عموم حديث أبي هريرة المتفق عليه المذكور، فالقول الراجح ما ذهب إليه أكثر أهل العلم والله تعالى أعلم‏.‏

فائدة‏:‏

أخرج الدارقطني ثم البيهقي في سننهما عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا غدا يوم الفطر ويوم الأضحى يجهر بالتكبير حتى يأتي المصلي ثم يكبر حتى يأتي الإمام انتهى‏.‏ قال البيهقي‏:‏ الصحيح وقفه علي بن عمر، وقد روي مرفوعاً وهو ضعيف كذا في الدراية ونصب الراية‏.‏

فائدة أخرى‏:‏ روى مالك في الموطأ عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلي‏.‏ وقد روى في الاغتسال للعيدين عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أحاديث كلها ضعيف‏.‏ قال الحافظ في الدراية روى ابن ماجه من طريق عبد الرحمَن بن عقبة بن الفاكه عن جده، وكانت له صحبة‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة‏.‏ وأخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته، والبزار وزاد‏:‏ يوم الجمعة وإسناده ضعيف، ولابن ماجه عن ابن عباس‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى، وإسناده ضعيف، وللبزار عن أبي رافع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل للعيدين‏.‏ وإسناده ضعيف انتهى ما في الدراية‏.‏

فائدة أخرى‏:‏ روى ابن أبي الدنيا والبيهقي بإسناد صحيح إلى ابن عمر أنه كان يلبس أحسن ثيابه في العيدين، كذا في فتح الباري‏.‏ وقال محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام‏:‏ يندب لبس أحسن الثياب والتطيب بأجود الأطياب في يوم العيد لما أخرجه الحاكم من حديث الحسن السبط قال‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العيدين أن نلبس أجود ما نجد، وأن نتطيب بأجود ما نجد، وأن نضحي بأسمن ما نجد، البقرة عن سبعة، والجزور عن عشرة، وأن تظهر التكبير والسكينة والوقار‏.‏ قال الحاكم بعد إخراجه من طريق إسحاق بن بزرج‏:‏ لولا جهالة إسحاق لحكمت للحديث بالصحة‏.‏ قال محمد بن إسماعيل الأمير‏:‏ وليس بمجهول فقد ضعفه الأزدي ووثقه ابن حبان ذكره في التلخيص انتهى‏.‏

وقد استدل البخاري على التجمل في العيدين بحديث ابن عمر قال‏:‏ أخذ عمر جبة من إستبرق تباع في السوق فأخذها فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله اتبع هذه تجمل بها للعيد والوفود، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنما هذه لباس من لا خلاق له الحديث، ووجه الاستدلال به من جهة تقريره صلى الله عليه وسلم لعمر على أصل التجمل للعيد وقصر الإنكار على لبس مثل تلك الحلة لكونها كانت حريراً‏.‏

379- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في صَلاةِ العِيدَيْنِ قَبلَ الخطْبة

527- حدثنا محمدُ بنُ المَثنّى، حدثنا أبو أُسامةَ عن عُبَيْدِ الله ‏(‏هو ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب‏)‏ عن نافعٍ عن ابنِ عمرَ قال‏:‏ كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ وعُمرُ يُصَلّونَ في العِيدَينِ قبلَ الخطْبةِ ثم يخْطُبُونَ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عن جابرٍ وابنِ عباسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ ابنِ عُمَر حَديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏ والعملُ على هذا عندَ أهلِ العِلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهِم أَنّ صلاةَ العِيدَينِ قبلَ الخطبةِ‏.‏

ويقالُ إنّ أَوّلَ مَن خطَبَ قَبلَ الصّلاةِ مَرْوَانُ بن الْحَكَمِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو أسامة‏)‏ إسمه حماد ابن أسامة الكوفي ثقة تقدم ترجمته ‏(‏عن عبيد الله‏)‏ هو ابن عمر بن حفص العمري المدني ثقة ثبت‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون في العيدين قبل الخطبة‏)‏ وفي حديث ابن عباس قال‏:‏ شهدت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كانوا يصلون قبل الخطبة، أخرجه الجماعة إلا الترمذي‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جابر وابن عباس‏)‏ أما حديث جابر فأخرجه الشيخان وأبو داود‏.‏ وأما حديث ابن عباس فتقدم تخريجه ولفظه آنفاً‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث ابن عمر حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الجماعة إلا أبا داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل على هذا عند أهل العلم إلخ‏)‏ وهو الحق ‏(‏ويقال أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ إختلف في أول من غير ذلك، فرواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد عند مسلم بلفظ‏:‏ أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان فقام إليه رجل الحديث، صريحة في أنه مروان، وقيل بل سبقه إلى ذلك عثمان‏.‏ رووى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال‏:‏ أول من خطب قبل الصلاة عثمان صلى بالناس ثم خطبهم يعني على العادة فرأى ناساً لم يدركوا الصلاة ففعل ذلك أي صار يخطب قبل الصلاة‏.‏ وهذه العلة غير العلة التي اعتل بها مروان لأن عثمان راعي مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع خطبته لما فيها من سب من لا يستحق السب والافراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما راعى مصلحة نفسه‏.‏ ويحتمل أن يكون عثمان فعل ذلك أحياناً بخلاف مروان فواظب عليه فلذلك نسب إليه‏.‏ وقد أخرج الشافعي عن عبد الله بن يزيد نحو حديث ابن عباس يعني الذي تقدم لفظه وزاد‏:‏ حتى قدم معاوية فقدم الخطبة، فهذا يشير إلى أن مروان إنما فعل ذلك تبعاً لمعاوية لأنه كان أمير المدينة من جهته انتهى كلام الحافظ بتلخيص‏.‏

ومروان بن الحكم المذكور هو أبو عبد الملك الأموي المدني ولي الخلافة في آخر أربع وستين ومات سنة خمس وستين‏.‏

380- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ أنّ صَلاةَ العِيدَينِ بغيرِ أذانٍ ولا إِقامة

528- حدثنا قُتَيْبةُ، حدثنا أبو الأحْوَصِ عن سِمَاك ‏(‏بن حَرْبٍ‏)‏ عن جابرِ بن سَمُرةَ قال‏:‏ صليتُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرّة ولا مَرّتينِ بغير أذانٍ ولا إقامةٍ‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي البابِ عَنْ جَابرِ بن عبد الله وابن عَبّاسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وحَدِيثُ جابرِ بن سَمُرةَ حديثٌ حسنٌ صحيحٌ والعملُ عليه عندَ أهلِ العلمِ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرِهِم أنّه لا يؤذّنَ لصلاةِ العيدَيْنِ ولا لشيءٍ من النّوافِلِ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العيدين غير مرة ولا مرتين‏)‏ قال الطيبي‏:‏ حال أي كثير ‏(‏بغير أذان ولا إقامة‏)‏ فيه دليل على أنه لا أذان ولا إقامة في صلاة العيدين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن جابر بن عبد الله وابن عباس‏)‏ أخرجه الشيخان بلفظ‏:‏ قالا لم يكن يؤذن يوم الفطر ولا يوم الأضحى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث جابر بن سمرة حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم أن لايؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل‏)‏ قال الحافظ العراقي‏:‏ وعليه عمل العلماء كافة‏.‏ وقال ابن قدامة في المغنى‏:‏ ولا نعلم في هذا خلافاً ممن يعتد بخلافه إلا أنه روي عن ابن الزبير أنه أذن وأقام قال وقيل‏:‏ إن أول من أذن في العيدين زياد انتهى‏.‏ وروى ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح عن ابن المسيب قال‏:‏ أول من أحدث الأذان في العيد معاوية‏.‏ وقد زعم ابن العربي أنه رواه عن معاوية من لا يوثق به‏.‏

381- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في القِراءة في العيدَين

529- حدثنا قُتَيْبةُ حدثنا أبو عَوَانةُ عن إِبراهيمَ بن محمدِ بن المنتَشِر عن أبيه عن حَبِيبِ بن سالمٍ عن النعمانِ بن بَشير قال‏:‏ ‏"‏كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يقرأ في العيدَيْنِ و ‏(‏في‏)‏ الجمعةِ بـ ‏{‏سبّح اسمَ رَبّكَ الأعلَى‏}‏ ‏{‏وهل أتاك حَدِيثُ الغَاشِيَةِ‏}‏، وربما اجْتَمعَا في يومٍ واحدٍ فَيْقرأُ بهمَا‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن أبي واقد وَسَمُرةَ بن جُنْدُبٍ وابنِ عباسٍ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ النّعمانِ بن بَشيرٍ حَديثٌ حَسنٌ صحيحٌ‏.‏ وهَكذَا رَوَى سفيانُ الثوريّ ومِسْعَرٌ عن إبراهيمَ بن محمدِ بن المنتَشِرِ نحو حَديثِ أبي عَوَانةَ وأما ‏(‏سفيان‏)‏ بن عُييَنةَ فَيْخْتَلَفُ عَلَيهِ في الرواية، يُروى عنه عن إبراهيمَ بن محمّد بْنِ المنتَشِرِ عن أبيهِ عَنْ حَبيبِ بن سالمٍ عن أبيه عَنْ النّعمانِ بنِ بَشِيرٍ ولاَ نَعْرفُ لحبيبِ بن سالمٍ رواية عن أبيهِ وحبيب بن سالم هو مَوْلَى النعمانِ بن بشيرٍ، وَرَوَى عن النعمانِ بن بشيرٍ أحاديثَ، وقَد رُوِيَ عن ابن عُييَنةَ عن إبراهيمَ بن محمد بن المنتَشِر نحوُ رواية هؤلاء وَرُوِيَ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأُ في صلاةِ العيدين بـ ‏{‏قَاف‏}‏ و‏{‏اقتربت الساعةُ‏}‏ وبه يقولُ الشافعيّ‏.‏

530- حدثنا إسحاقُ بنُ موسى الأنصارىّ حدثنا معنُ بن عيسى حدثنا مالكُ بن أنس عن ضمرةَ بنِ سعيدٍ المازني عن عبَيْدِ الله بن عبدِ الله بن عُتَبة ‏"‏أَن عُمَر بنِ الخطاب سأَل أَبا واقدٍ الليثيّ ما كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يقرأ ‏(‏به‏)‏ في الفطر والأضحى قال‏:‏ ‏"‏كان يقرأ بـ‏{‏قاف والقرآن المجيد‏}‏، و‏{‏اقْتربَتِ الساعةُ وانشَقّ القَمَرُ‏}‏‏"‏‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ‏.‏

531- حدثنا هَنّادٌ حدثنا سفيان ابن عُيَينْةَ عن ضَمْرةَ بن سعيدٍ بهذا الإسنادِ نَحْوَهُ‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ وأبو واقدٍ الليثيّ اسمُه الحارثُ بن عَوْفٍ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏أخبرنا أبو عوانة‏)‏ اسمه وضاح بتشديد المعجمة ثم مهملة ابن عبد الله اليشكري الواسطي مشهور بكنيته ثقة ثبت من رجال السنة ‏(‏عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر‏)‏ الأجدع الهمداني الكوفي ثقة من رجال السنة‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وربما اجتمعا‏)‏ أي العيد والجمعة ‏(‏فيقرأ بهما‏)‏ أي ‏{‏بسبح اسم ربك‏}‏ ‏{‏وهل أتاك‏}‏‏.‏ والحديث يدل على استحباب القراءة في العيدين ‏{‏بسبح اسم ربك الأعلى‏}‏ ‏"‏والغاشية‏"‏، وإلى ذلك ذهب أحمد بن حنبل، وذهب الشافعي إلى استحباب القراءة فيهما بـ ‏"‏ق‏"‏ و ‏"‏اقتربت‏"‏ لحديث أبي واقد الاَتي‏.‏ واستحب ابن مسعود القراءة فيهما بأوساط المفصل من غير تقييد بسورتين معينتين‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ ليس فيه شيء مؤقت‏:‏ وروى ابن أبي شيبة أن أبا بكر قرأ في يوم عيد بالبقرة حتى رأيت الشيخ يمتد من طول القيام‏.‏ وقد جمع النووي بين الأحاديث فقال‏:‏ كان في وقت يقرأ في العيدين بـ ‏"‏ق‏"‏ و ‏"‏اقتربت‏"‏، وفي وقت‏:‏ بـ ‏"‏سبح‏"‏ ‏{‏وهل أتاك‏}‏‏.‏

قلت‏:‏ وهو القول الراجح الظاهر المعول عليه‏.‏ ووجه الحكمة في القراءة في العيدين بهذه السور أن في سورة سبح الحث على الصلاة وزكاة الفطر على ما قال سعيد بن المسيب في تفسير قوله تعالى ‏{‏قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى‏}‏ فاختصت الفضيلة بها كاختصاص الجمعة بسورتها‏.‏ وأما ‏"‏الغاشية ‏"‏فللموالاة بين ‏"‏سبح‏"‏ وبينها كما بين ‏"‏الجمعة‏"‏ و ‏"‏المنافقين‏"‏‏.‏ وأما سورة ‏"‏ق‏"‏ و ‏"‏اقتربت ‏"‏فنقل النووي في شرح مسلم عن العلماء أن ذلك اشتملتا عليه من الإخبار بالبعث والإخبار عن القرون الماضية وإهلاك المكذبين وتشبيه بروز الناس في العيد ببروزهم في البعث وخروجهم من الأجداث كأنهم جراد منتشر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن أبي واقد وسمرة بن جندب وابن عباس‏)‏ أما حديث أبي واقد فأخرجه الجماعة إلا البخاري وسيجيء لفظه في هذا الباب‏.‏ وأما حديث سمرة فأخرجه أحمد بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بـ ‏{‏سبح اسم ربك الأعلى‏}‏ و ‏{‏هل أتاك‏}‏‏.‏ وأما حديث ابن عباس فأخرجه ابن ماجه بلفظ حديث سمرة وفي إسناده موسى بن عبيدة الربدي وهو ضعيف ولابن عباس حديث آخر عند البزار في مسنده‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في العيدين بـ ‏{‏عما يتساءلون‏}‏ و ‏{‏بالشمس وضحاها‏}‏‏.‏ وفي إسناده أيوب بن سيار قال فيه ابن معين ليس بشيء، وقال ابن المديني والجوزجاني ليس بثقة، وقال النسائي متروك، ولابن عباس أيضاً حديث ثالث عند أحمد قال‏:‏ صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العيدين ركعتين لا يقرأ فيهما إلا بأم الكتاب لم يزد عليها شيئاً، وفي إسناده شهر بن حوشب هو مختلف فيه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث النعمان بن بشير حديث حسن صحيح‏)‏ وأخرجه مسلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏مثل حديث أبي عوانة‏)‏ يعني عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير ‏(‏وأما ابن عيينة فيختلف عليه في الرواية‏)‏ يعني يختلف أصحاب بن عيينة عليه والاختلاف إنما هو في زيادة لفظ أبيه بين حبيب ابن سالم والنعمان بن بشير، فبضعهم يزيده وبعضهم لا، وبينه الترمذي بقوله‏:‏ ‏(‏فيروي عنه عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان بن بشير‏)‏ بزيادة لفظ أبيه بين حبيب بن سالم وبين النعمان بن بشير ‏(‏وروى عن النعمان بن بشير أحاديث‏)‏ أي روى حبيب بن سالم أحاديث عن النعمان بن بشير من غير واسطة أبيه ‏(‏وقد روى‏)‏ بصيغة المجهول وهو عطف على قوله‏:‏ فيروي عنه ‏(‏عن ابن عيينة عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر نحو رواية هؤلاء‏)‏ أي نحو رواية أبي عوانة وسفيان الثوري ومسعر من غير زيادة لفظ أبيه بين حبيب بن سالم وبين النعمان بن بشير ‏(‏وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقرأ بقاف واقتربت الساعة وبه يقول الشافعي‏)‏ وقد تقدم ما هو القول الراجح في هذا الباب‏.‏ وهذا الحديث أخرجه الترمذي وأسنده بقوله حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري إلخ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏عن ضمرة بن سعيد المازني‏)‏ الأنصاري المدني وثقه أحمد وابن معين‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏إن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي إلخ‏)‏ قال القاري لعل سؤال عمر رضي الله عنه التقرير والتمكن في ذهن الحاضرين وإلا فهو من الملازمين له والعالمين بأحواله وأقواله وأفعاله عليه السلام انتهى‏.‏ وقال النووي‏:‏ يحتمل أن عمر شك في ذلك فاستثبته أو أراد إعلام الناس بذلك أو نحو ذلك انتهى‏.‏ وقال الحافظ العراقي‏:‏ ويحتمل أن عمر كان غائباً في بعض الأعياد عن شهوده وأن ذلك الذي شهد أبو واقد كان في عيد واحد أو أكثر، قال ولا عجب أن يخفي على الصاحب الملازم بعض ما وقع من مصحوبه كما في قصة الاستئذان ثلاثاً وقول عمر خفي على هذا، ألهاني الصفق بالأسواق‏.‏ واعلم أن هذه الرواية منقطعة فإن عبيد الله لم يدرك عمر، لكن الحديث صحيح متصل بلا شك بالرواية الأخرى في مسلم أيضاً عن عبيد الله عن أبي واقد قال‏:‏ سألني عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏هذا حديث حسن صحيح‏)‏ أخرجه الترمذي من طريق أخرى‏.‏

382- باب ‏(‏ما جاء‏)‏ في التكبيرِ في العيدَين

532- حدثنا مُسْلِمُ بنُ عَمْرو أبو عَمْرٍ و الحذّاءُ المدينيّ، حدثنا عبدُ الله بن نافعٍ الصّائغ عن كثِير بن عبدِ الله عن أبيه عن جده ‏"‏أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كبّر في العيدين في الأولى سَبْعاً قبل القِراءةِ، وفي الأخرةِ خَمْساً قبل القِراءة‏"‏‏.‏

‏(‏قال‏)‏‏:‏ وفي الباب عن عائشةَ وابن عُمَر وعبد الله بن عَمْرو‏.‏

قال أبو عيسى‏:‏ حديثُ جَدّ كثير حديثٌ حسنٌ وهو أحسنُ شيء رُوِىَ في هذا الباب عن النبيّ عليه السلام‏.‏

واسمُه عَمْرُو بن عَوْفٍ المُزَنيّ والعملُ على هذا عند بعض أهلِ العلم مِن أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم وغيرهم‏.‏

وهكذا رُوِيَ عن أبي هريرة أنه صلّى بالمدينةِ نحو هذه الصلاةِ وهو قول أهلِ المدينةِ وبه يقولُ مالكُ بن أنَسٍ والشافعيّ وأَحمدُ وإسحاقُ‏.‏

ورُوِيَ عن ‏(‏عبد الله‏)‏ بن مسعودٍ أنه قال في التكبير في العيدينِ‏:‏ تِسْعَ تكبيراتٍ في الركعةِ الأولَى خمساً قبلَ القِراءةِ وفي الركعةِ الثانيَةِ يبْدَأُ بالقراءةِ ثم يُكَبّرُ أربعاً مع تكبيرةِ الركوعِ‏.‏

وقد رُويَ عن غيرِ واحدٍ من أصحابِ النبيّ صلى الله عليه وسلم نَحْوُ هَذا وهو قولُ أهلِ الكوفةِ‏.‏ وبه يقولُ سفيانُ الثوريُ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حدثنا مسلم بن عمرو وأبو عمر الحذاء المديني‏)‏ صدوق ‏(‏أخبرنا عبد الله بن نافع‏)‏ الصائغ مولى ابن مخزوم أبو محمد المدني وثقه ابن معين والنسائي كذا في الخلاصة‏.‏ وقال في التقريب‏:‏ ثقة صحيح الكتاب وفي حفظه لين ‏(‏عن كثير بن عبد الله‏)‏ بن عمرو بن عوف المزني المدني قال الحافظ في التقريب‏:‏ ضعيف، منهم من نسبه إلى الكذب انتهى‏.‏ قلت‏:‏ قال الشافعي، وأبو داود‏:‏ ركن من أركان الكذب‏.‏ وقال ابن حبان له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة كذا في الميزان ‏(‏عن أبيه‏)‏ هو عبد الله بن عمرو بن عوف، قال الحافظ‏:‏ مقبول وقال في الخلاصة‏:‏ وثقه ابن حبان ‏(‏عن جده‏)‏ أي عن جد كثير وهو عمرو بن عوف المزني أبو عبد الله صحابي شهد بدر‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الاَخرة خمساً قبل القراءة‏)‏ أي كبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات غير تكبيرة الاحرام كما في رواية وسنذكرها، وفي الركعة الثانية خمس تكبيرات غير تكبيرة القيام‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وفي الباب عن عائشة وابن عمر وعبد الله بن عمرو‏)‏ أما حديث عائشة فأخرجه أبو داود عنها‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات وفي الثانية خمساً وفي رواية له سوى تكبيرتي الركوع وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف‏.‏ وأما حديث ابن عمر فأخرجه الدارقطني والبزار مرفوعاً بلفظ‏:‏ التكبير في العيدين في الركعة الأولى سبع تكبيرات وفي الاَخرة خمس تكبيرات، وفي إسناده فرج بن فضالة وثقه أحمد، وقال البخاري منكر الحديث‏.‏ وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد وابن ماجه بلفظ‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخسماً في الأخرة، ولم يصل قبلها ولا بعدها‏.‏ وقال أحمد‏:‏ أنا أذهب إلى هذا، وفي رواية قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏التكبير في الفطر سبع في الأولى وخمس في الاَخرة والقراءة بعدهما كلتيهما‏"‏‏.‏ رواه أبو داود والدارقطني‏.‏ قال الحافظ العراقي‏:‏ إسناده صالح، ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال إنه حديث صحيح كذا في نيل الأوطار‏.‏ وقال في التلخيص صححه أحمد وعلي والبخاري فيما حكاه الترمذي انتهى‏.‏ وفي الباب أيضاً عن سعد مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين في الأولى سبعاً قبل القراءة وفي الاَخرة خمساً قبل القراءة أخرجه ابن ماجه‏.‏ قال العراقي‏:‏ في إسناده ضعف‏.‏ قلت‏:‏ وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى من وجه أخرى‏.‏ قال العلامة علاء الدين في الجوهر النقي‏:‏ في إسناده بقية وهو متكلم فيه‏.‏ وعن عبد الرحمَن بن عوف قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم تخرج له العنزة في العيدين حتى يصلي إليها فكان يكبر ثلاث عشر تكبيرة وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك‏.‏ وفي إسناده الحسن البجلي وهو لين الحديث‏.‏ وقد صحح الدارقطني إرسال هذا الحديث‏.‏ وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر في العيدين ثنتي عشرة تكبيرة في الأولى سبعاً وفي الاَخرة خسماً، وفي إسناده سليمان بن أرقم وهو ضعيف‏.‏ وعن جابر قال‏:‏ مضت السنة أن يكبر للصلاة في العيدين سبعاً وخمساً، أخرجه البيهقي‏.‏ وعن عمارة رضي الله عنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في العيدين في الأولى سبعاً وفي الاَخرة خمساً وكان يبدأ بالصلاة قبل الخطبة أخرجه الدارقطني‏.‏ وفي الباب أحاديث أخرى‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حديث جد كثير حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب‏)‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ وقد أنكر جماعة تحسينه على الترمذي انتهى وجه الإنكار هو أن في سنده كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف وقد عرفت حاله‏.‏

وأجاب النووي في الخلاصة عن الترمذي في تحسينه فقال‏:‏ لعله اعتضد بشواهد وغيرها انتهى‏.‏ وقال القاري في المرقاة نقلاً عن ميرك لعل اعتضد عند من صححه بشاهد وأمور قد خفيت انتهى‏.‏ وقال العراقي والترمذي إنما‏:‏ تبع في ذلك البخاري فقد قال في كتاب العلل المفردة‏:‏ سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال ليس في هذا الباب شيء أصح منه وبه أقول انتهى‏.‏ قلت‏:‏ الظاهر أن تحسين الترمذي حديث جد كثير لكثرة شواهده، والترمذي قد يحسن الحديث الضعيف لشواهده، ألا ترى أن حديث معاذ‏:‏ أن في كل ثلاثين بقرة تبيعاً وفي كل أربعين مسنة، ضعيف وقد حسنه الترمذي، قال الحافظ في فتح الباري‏:‏ إنما حسنه الترمذي لشواهده انتهى‏.‏ وأما قول الإمام البخاري‏:‏ ليس في هذا الباب شيء أصح منه ففيه أن الظاهر أن حديث عبد الله بن عمرو أصح شيء في هذا الباب والله تعالى أعلم‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏واسمه‏)‏ أي اسم جد كثير ‏(‏وهكذا روي عن أبي هريرة إلخ‏)‏ أخرجه مالك في الموطأ عن نافع مولى عبد الله بن عمر قال‏:‏ شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الأخرى خمس تكبيرات قبل القراءة وإسناده صحيح‏.‏ قلت‏:‏ وهكذا روي عن ابن عباس أنه كبر في صلاة العيدين ثنتي عشرة تكبيرة‏.‏ أخرج ابن أبي شيبة عن أبي عمار بن أبي عمار أن ابن عباس كبر في عيد ثنتي عشرة تكبيرة سبعاً في الأولى وخمساً في الاَخرة وإسناده حسن‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وهو قول أهل المدينة وبه يقول مالك بن أنس والشافعي وأحمد وإسحاق‏)‏ إلا أن مالكاً عد في الأولى تكبيرة الإحرام، وقال الشافعي سواها، والفقهاء على أن الخمس في الثانية غير تكبيرة القيام قاله ابن عبد البر روى الإمام مالك في الموطأ عن نافع مولى عبد الله بن عمر أنه قال‏:‏ شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة وفي الاَخرة خمس تكبيرات قبل القراءة‏.‏ قال مالك‏:‏ وهو الأمر عندنا انتهى‏.‏ قال الشيخ سلام الله في المحلى‏:‏ وهو حجة الشافعي وأحمد ومالك وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وأبي سعيد الخدري انتهى‏.‏ قلت‏:‏ وقد عمل به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، قال الحافظ الحازمي في كتاب الاعتبار‏:‏ الوجه الحادي والثلاثون أن يكون أحد الحديثين قد عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني، فيكون آكد ولذلك قدم رواية من روى في تكبيرات العيدين سبعاً وخمساً على رواية من روى أربعاً كأربع الجنائز لأن الأول قد عمل به أبو بكر وعمر فيكون إلى الصحة أقرب، والأخذ به أصوب، انتهى كلام الحازمي‏.‏ وقال الشوكاني في النيل‏:‏ قال العراقي‏:‏ وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين والأئمة، قال‏:‏ وهو مروي عن عمر وعلي وأبي هريرة وأبي سعيد وجابر وابن عمر وابن عباس وأبي أيوب وزيد بن ثابت وعائشة، وهو قول الفقهاء السبعة من أهل المدينة وعمر بن عبد العزيز والزهري ومكحول، وبه يقول مالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق‏.‏ قال الشافعي والأوزاعي وإسحاق وأبو طالب وأبو العباس‏:‏ إن السبع في الأولى بعد تكبيرة الإحرام‏.‏ وقال مالك وأحمد والمزني إن تكبيرة الإحرام معدودة من السبع في الأولى، قال‏:‏ وفي حديث عائشة عند الدارقطني سوى تكبيرة الافتتاح، وعند أبي داود سوى تكبيرتي الركوع، وهو دليل لمن قال إن السبع لا تعد فيها تكبيرة الافتتاح والركوع، والخمس لا تعد فيها تكبيرة الركوع‏.‏ واحتج أهل القول الثاني يعني من قال بأن تكبيرة الإحرام معدودة من السبع في الأولى باطلاق الأحاديث المذكورة في الباب وأجابوا عن حديث عائشة بأنه ضعيف انتهى ما في النيل بقدر الحاجة ملخصاً‏.‏

فإن قلت‏.‏ ما روى الإمام مالك في الموطأ عن نافع هو حديث موقوف على أبي هريرة أعني هو فعله وليس بحديث مرفوع، فكيف يصح استدلال مالك والشافعي وأحمد وغيرهم‏؟‏

قلت‏:‏ نعم هو موقوف لكنه مرفوع حكما فإنه لا مساغ فيه للاجتهاد فلا يكون رأياً إلا توقيفاً بحب التسليم له، على أنه قد جاء فيه حديث عبد الله بن عمرو وهو حديث مرفوع حقيقة، وهو حديث صحيح صالح للاحتجاج، قال العراقي‏:‏ إسناده صالح، ونقل الترمذي في العلل المفردة عن البخاري أنه قال إنه حديث صحيح، وقال الحافظ في التلخيص‏:‏ صححه أحمد وعلي والبخاري فيما حكاه الترمذي انتهى‏.‏ وقد عرفت هذا فيما سبق وقد ورد فيه كثير من الأحاديث المرفوعة حقيقة، وهي إن كانت ضعافاً ولكن يشد بعضها بعضاً‏.‏

تنبيه‏:‏

قال النيموي في آثار السنن بعد ذكر حديث عبد الله بن عمرو‏:‏ إسناده ليس بقوي، وقال في تعليقه‏:‏ عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيه كلام‏.‏

قلت‏:‏ قول النيموي ليس مما يعول عليه، والتحقيق أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيح أو حسن قابل للاحتجاج إذا كان السند إليه صحيحاً وقد تقدم تحقيقه، وقد قال الحافظ في فتح الباري‏:‏ وترجمة عمرو قوية على المختار حيث لاتعارض انتهى‏.‏

ثم قال النيموي‏:‏ ومع ذلك مداره على عبد الله بن عبد الرحمَن الطائفي، قال الذهبي في الميزان‏:‏ ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن معين‏:‏ صويلح، وقال مرة ضعيف، وقال النسائي وغيره‏:‏ ليس بالقوي كذا قال أبو حاتم انتهى‏.‏

قلت‏:‏ وقال الذهبي في الميزان بعد هذه العبارة ما لفظه‏:‏ وقال ابن عدي‏:‏ أما سائر حديثه فعن عمرو بن شعيب وهي مستقيمة انتهى وهو من رجال مسلم‏.‏ وقال الحافظ في تهذيب التهذيب‏:‏ له في مسلم حديث واحد كاد أمية أن يسلم انتهى، وفيه وقال العجلي ثقة، وحكى ابن خلفون أن ابن المديني وثقه، فإسناد هذا الحديث إلى عمرو حسن صالح، وترجمة عمرو قوية على المختار، فالحديث حسن قابل للاحتجاج، كيف وقد قال العراقي إسناده صالح وصححه أحمد وعلي بن المديني والبخاري‏.‏

ثم قال النيموي‏:‏ أما تصحيح الإمام أحمد فيعارضه ما قال ابن القطان في كتابه، وقد قال أحمد بن حنبل‏:‏ ليس في تكبير العيدين عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث صحيح انتهى‏.‏

قلت‏:‏ قد عرفت أن الإمام أحمد قال بما يدل عليه هذا الحديث وذهب إليه فقوله به يدل على أن تصحيحه متأخر من تضعيفه‏.‏

ثم قال النيموي‏:‏ وأما تصحيح البخاري ففيه نظر لأن قوله وحديث عبد الله الطائفي إلخ يحتمل أن يكون من كلام الترمذي‏.‏ قال الزيلعي في نصب الراية بعد ما أخرج عمرو بن عوف المزني قال الترمذي حديث حسن وهو أحسن شيء روي في هذا الباب انتهى‏.‏ وقال في علله الكبرى‏:‏ سألت محمداً عن هذا الحديث فقال ليس شيء في هذا الباب أصح منه وبه أقول، وحديث عبد الله ابن عبد الرحمَن الطائفي أيضاً صحيح، والطائفي مقارب الحديث انتهى‏.‏ قال ابن القطان في كتابه هذا ليس بصريح في التصحيح فقوله‏:‏ هو أصح شيء في الباب يعني ما في الباب وأقل ضعفاً، وقوله‏:‏ به أقول يحتمل أن يكون من كلام الترمذي أي وأنا أقول إن هذا الحديث أشبه ما في الباب وكذا قوله‏:‏ وحديث الطائفي أيضاً صحيح يحتمل أن يكون من كلام الترمذي انتهى‏.‏

قلت‏:‏ هذا الاحتمال بعيد جداً، بل الظاهر المتعين هو ما فهمه الحافظ ابن حجر وغيره من أن قوله‏:‏ وبه أقول من كلام البخاري والمعنى أن بهذا الحديث أقول وإليه أذهب والدليل عليه أن الترمذي ينقل عن شيخه الإمام البخاري مثل هذا الكلام كثيراً في الجرح والتعديل وبيان علل الحديث ولا يقول بعد نقل كلامه وبه أقو ألبتة، وإن كنت في شك منه ففتش وتتبع المقامات التي نقل الترمذي فيها عن البخاري مثل هذا الكلام تجد ما قلت لك حقاً صحيحاً‏.‏

فالحاصل أن حديث عبد الله بن عمرو وحسن صالح للاحتجاج ويؤيده الأحاديث التي أشار إليها الترمذي والتي ذكرناها‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وروي عن ابن مسعود أنه قال في التكبير في العيدين تسع تكبيرات في الركعة الأولى وخمس تكبيرات قبل القراءة‏)‏ أحدها تكبيرة التحريمة والثلاث زوائد وخامسها تكبيرة الركوع كذا قيل وفيه أن تكبير الركوع ليس قبل القراءة ‏(‏وفي الركعة الثانية يبدأ بالقراءة ثم يكبر أربعاً مع تكبيرة الركوع‏)‏ فصارت ست تكبيرات زوائد ثلاثاً في الركعة الأولى قبل القراءة وثلاثاً في الركعة الثانية بعد القراءة‏.‏ وأثر ابن مسعود هذا رواه عبد الرزاق‏.‏ قال‏:‏ أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود قالا‏:‏ كان ابن مسعود جالساً وعنده حذيفة وأبو موسى الأشعري فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في صلاة العيدين فقال حذيفة سل الأشعري، فقال الأشعري سل عبد الله فإنه أقدمنا وأعلمنا فسأله فقال ابن مسعود‏:‏ يكبر أربعاً ثم يقرأ ثم يكبر فيركع فيقوم في الثانية فيقرأ ثم يكبر أربعاً بعد القراءة‏.‏ قال النيموي في آثار السنن إسناده صحيح‏.‏

قلت‏:‏ في إسناده أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس ورواه عن علقمة والأسود بالعنعنة فكيف يكون إسناده صحيحاً‏.‏ وروى عبد الرزاق أيضاً قال‏:‏ أخبرنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود أن ابن مسعود كان يكبر في العيدين تسعاً أربعاً قبل القراءة ثم يكبر فيركع وفي الثانية يقرأ فإذا فرغ كبر أربعاً ثم ركع‏.‏ قال النيموي‏:‏ إسناده صحيح‏.‏

قلت‏:‏ في إسناده أيضاً أبو إسحاق السبيعي المذكور، ورواه أيضاً عن علقمة والأسود بالعنعنة ‏(‏وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا‏)‏ فمنهم ابن عباس والمغيرة بن شعبة، روى عبد الرزاق عن عبد الله بن الحارث قال‏:‏ شهدت ابن عباس كبر في صلاة العيد بالبصرة تسع تكبيرات ووالى بين القراءتين‏.‏ قال‏:‏ وشهدت المغيرة بن شعبة فعل مثل ذلك‏.‏ قال الحافظ في التلخيص‏:‏ إسناده صحيح انتهى‏.‏ وروى الطبراني في الكبير عن كردوس قال‏:‏ أرسل الوليد إلى عبد الله بن مسعود وحذيفة وأبي موسى الأشعري وأبي مسعود بعد العتمة فقال إن هذا عيد للمسلمين فكيف الصلاة‏؟‏ فقالوا‏:‏ سل أبا عبد الرحمَن، فسأله فقال يقوم فيكبر أربعاً ثم يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة من المفصل ثم يكبر أربعاً يركع في آخرهن فتلك تسع في العيدين فما أنكره أحد منهم ‏(‏وهو قول أهل الكوفة، وبه يقول سفيان الثوري‏)‏ وهو قول الحنفية واستدلوا بهذه الآثار التي ذكرناها آنفاً وبما رواه أبو داود في سننه عن أبي عائشة جليس لأبي هريرة أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في الأضحى والفطر‏؟‏ فقال أبو موسى‏:‏ كان يكبر أربعاً تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة‏:‏ صدق، فقال أبو موسى‏:‏ كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت عليهم‏.‏ قال أبو عائشة‏:‏ وأنا حاضر سعيد بن العاص‏.‏ والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري‏.‏

قلت‏:‏ في سند هذا الحديث عبد الرحمَن بن ثابت بن ثوبان العنسي الدمشقي الزاهد متكلم فيه فوثقه جماعة وضعفه جماعة ومع هذا فقد تغير في آخر عمره‏.‏

قال الحافظ‏:‏ صدوق يخطئ وتغير بآخره انتهى‏.‏ وأعله البيهقي في سننه الكبرى بأنه خولف راويه في موضعين في رفعه وفي جواب أبي موسى والمشهور أنهم أسندوه إلى ابن مسعود، فأفتاهم بذلك ولم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم انتهى‏.‏ فلا يصلح هذا الحديث للاستدل، وليس في هذا حديث مرفوع صحيح في علمي والله تعالى أعلم‏.‏ وأما آثار الصحابة فهي مختلفة كما عرفت‏.‏

فالأولى‏:‏ للعمل هو ما ذهب إليه أهل المدينة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم لوجهين‏:‏ الأول أنه قد جاء فيه أحاديث مرفوعة عديدة وبعضها صالح للاحتجاج والباقية مؤيدة لها، وأما ما ذهب إليه أهل الكوفة فلم يرد فيه حديث مرفوع غير حديث أبي موسى الأشعري وقد عرفت أنه لا يصلح للاحتجاج‏.‏ والوجه الثاني أنه قد عمل به أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، وقد تقدم في كلام الحافظ الحازمي أن أحد الحديثين إذا كان عمل به الخلفاء الراشدون دون الثاني فيكون آكد وأقرب إلى الصحة وأصوب بالأخذ‏.‏ هذا ما عندي والله تعالى أعلم‏.‏

تنبيه‏:‏

قال الإمام محمد رحمه الله في موطأه بعد ذكر أثر أبي هريرة الذي ذكرناه عن موطأه الإمام مالك زحمه الله ما لفظه‏:‏ قال محمد‏:‏ قد اختلف الناس في التكبير في العيدين فما أخذت به فهو حسن وأفضل ذلك عندنا ما روي عن ابن مسعود أنه كان يكبر في كل عيد تسعاً‏:‏ خمساً وأربعاً فهن تكبيرة الافتتاح وتكبيرتا الركوع ويوالي بين القراءتين ويؤخرها في الأولى ويقدمها في الثانية‏.‏ وهو قول أبي حنيفة انتهى كلامه‏.‏

قلت‏:‏ بل أفضل ذلك ما روي عن أبي هريرة للوجهين اللذين ذكرناهما آنفاً ولا وجه لأفضلية ما روى عن ابن مسعود‏.‏ هذا ما عندي والله تعالى أعلم‏.‏